تعلمنا معنى الوفاء في مغتسل القديح
الوفاء قيمة إنسانية عظيمة، لا تُقاس بالكلمات، بل بالمواقف والثبات في المحبة والصدق والإخلاص. ويظهر الوفاء الحقيقي حين يبقى الإنسان متمسكًا بمن أحبهم، حاضرًا معهم في أيام الفرح وأوقات الحزن، لا تغيّره الظروف ولا تنسيه السنين.
وكما ذكر الأخ الشاعر والكاتب الأخ إبراهيم الزين أبو عبدالله، مقالًا جميلًا بعنوان: «وفاء في ساعة وداع» في صحيفة القطيف اليوم.
لقد جسّد الأخ الغالي سلمان العنكي معنى الوفاء بأجمل صوره، وهو يودّع زوجته الحاجة معصومة علي آل مسيبيح «أم علي» بعد خمسين عامًا من الحياة المشتركة، مليئة بالعشرة الطيبة والمودة والرحمة. فالحزن الذي بدا عليه لم يكن حزنَ لحظة، بل مشاعر رجل فقد شريكة عمره ورفيقة دربه، التي تقاسم معها تفاصيل الحياة وتربية الأبناء وبناء الأسرة، ولم يرَ منها إلا كل خير واحترام الزوجة الصالحة لزوجها.
إن الوفاء لا ينتهي برحيل الأحبة، بل يبقى في الدعاء لهم، وذكر محاسنهم، واستحضار ذكرياتهم بكل حب وامتنان. فالإنسان الوفي يظل حافظًا للجميل، معترفًا بالعشرة، صادق المشاعر مهما طال الزمن.
خمسون سنة لم تكن مجرد سنوات زواج عابرة، بل كانت عمرًا من التكاتف والصبر وبناء أسرة مترابطة قامت على المودة والألفة والرحمة.
وفي لحظات الوداع المؤثرة، بدت معاني الوفاء جلية في كلمات الحاج سلمان ونظراته الحزينة، وهي ممددة في مغتسل القديح، وأطلق الكلمات الارتجالية الحزينة التي خرجت من قلبه وليس من لسانه؛ ليعبر عن الحب والعشرة الطويلة التي امتدت لخمسين عامًا، ولم يرَ منها إلا كل خير وطيبة وإيمان وصبر وحب وحنان، وهو يستذكر رفيقة دربه التي شاركته أفراح الحياة وأتراحها، ووقفت معه في مختلف الظروف الصعبة، شاكرة حامدة ربها في كل الأحوال، تهتم بزوجها وأولادها على أكمل وجه.
حتى أصبحت جزءًا من تفاصيل أيامه وذكرياته. كان الحزن ظاهرًا على محياه، يرافقه أبناؤه الذين التفوا حول والدهم يستمدون منه الصبر ويبادلونه مشاعر الفقد والحنين.
إن مشهد الوفاء بعد نصف قرن من الحياة الزوجية يختصر معنى العلاقة الإنسانية الصادقة، حين يتحول الزواج إلى شراكة عمر وروح لا تنتهي برحيل أحد الطرفين، بل تبقى الذكريات والمواقف والدعوات الطيبة شاهدة على عمق المحبة والإخلاص.
وفي مغتسل القديح، حيث تختلط دموع الفراق بالدعاء، تجلت صورة إنسانية مؤثرة لعائلة فقدت أمًا حنونًا وزوجةً مخلصة، لكنها تركت في قلوبهم إرثًا من المحبة والسيرة الطيبة.
وكان تشييع هذه المؤمنة الخيّرة الطيبة تشييعًا كبيرًا ملفتًا للأنظار، هنيئًا لها.
رحم الله الفقيدة الحاجة معصومة علي آل مسيبيح، أم علي، وأسكنها فسيح جناته، وألهم زوجها وأبناءها وذويها الصبر والسلوان. إنا لله وإنا إليه راجعون.













