آخر تحديث: 21 / 5 / 2024م - 10:25 م

في اقتناص الفرص التاريخية

يوسف مكي * صحيفة الخليج الإماراتية

في العادة تشهد المرحلة التي تسبق انبثاق نظام دولي جديد، حالة من الفوضى والانفلات السياسي. ومثل هذا الوضع، يشكل فرصة ثمينة لوضع أجندات مؤجلة قيد التنفيذ. لكن تحقيق ذلك، هو رهن لتوفر الوعي والإرادة والقدرة. ومن لا يملكون هذه المواصفات ستكون خسائرهم فادحة. فهم لن يفقدوا فقط تلك الفرص، ولكنهم يغدون أول ضحايا استثمارها من قبل الغير.

شهد القرن المنصرم، ولادة نظامين عالميين. نتجا عن سقوط السلطنة العثمانية، وتقاسم ممتلكاتها بين المنتصرين في الحرب العالمية الأولى. وقد أمل قادة حركة اليقظة العربية، أن تكون نهاية السلطنة، بوابة الدخول في عصر عربي جديد، يكون مفعماً بالأمل في التطور والانخراط في عصر كوني، يعترف بحق الشعوب في الحرية وتقرير المصير.

ولأن العرب، لم يكونوا يملكون مفاتيح اقتناص الفرص، التي أشرنا لها، فقد انتهت الحرب بتوقيع اتفاقية فرساي، وتأسيس عصبة الأمم، كأول تشكيل معاصر ناظم للعلاقات الدولية. وقد أقرت هذه المنظمة اتفاقية سايكس - بيكو، وما نتج عنها من تعابير سياسية، كالحماية والوصاية والانتداب، وجميعها أقرت وضع المشرق العربي تحت هيمنة المنتصرين بالحرب، ريثما يستكمل اليانكي الأمريكي، استعداده للدخول بقوة عصر الهيمنة.

وصفت الحرب العالمية الأولى، بأنها حرب لم تكتمل، واعتبرت الحرب العالمية الثانية، وما تمخض عنها استكمالاً لتلك الحرب. وكان من نتائجها تأسيس هيئة الأمم المتحدة، بمجلسيها: الجمعية العامة للأمم المتحدة ومجلس الأمن، وقيام نظام عالمي جديد، يستند على هيمنة قطبين هما الولايات المتحدة والاتحاد السوفييتي. ويحتفظ المجلس بخمسة من الأعضاء الدائمين: أمريكا والاتحاد السوفييتي والصين وفرنسا وبريطانيا، باستخدام حق النقض «الفيتو»، لمنع صدور القرارات التي لا تتسق مع مصالح وأهداف تلك الدول.

وكانت تلك الحرب فرصة تاريخية أخرى، اقتنصت من قبل شعوب العالم، للتحرر من نير الاحتلال الأجنبي، بحيث غدت حركات التحرر الوطنية، التي برزت أثناء وبعد الحرب العالمية الثانية، أهم معلم إنساني من معالم القرن العشرين. ولم يمضِ سوى وقت قصير، حتى حققت بلدان العالم الثالث، في قارات آسيا وإفريقيا وأمريكا اللاتينية استقلالها. لكن ذلك للأسف، لم يتوّج ببروز برامج عملية، لتنمية اقتصادية مستدامة، تضمن الخروج من نفق التخلف.

سقطت معادلة القطبين الرئيسيين في السياسة الدولية، بانتهاء الحرب الباردة، مع سقوط حائط برلين في نهاية الثمانينات من القرن الماضي. وباتت الولايات المتحدة وحدها من يملك مفاتيح القوة في العالم. ولأن تفرد قطب أوحد على السياسة الدولية، نشاز بالتاريخ الإنساني، فإن هذا التفرد لم يستمر طويلاً. وكان أول تحدٍّ لهذه الهيمنة، قد جاء من فرنسا، الدولة الحليفة للولايات المتحدة، وشريكتها في حلف الناتو، حين هددت باستخدام حق النقض ضد أي قرار يصدر عن مجلس الأمن الدولي، يجيز لإدارة الرئيس الأمريكي جورج بوش الابن احتلال العراق.

استغل التنين الصيني انشغال أمريكا، بمشاريع التوسع وإحكام قبضة السيطرة على العالم، ليبني بسرعة قوته الاقتصادية. ولم يمضِ سوى وقت قصير، حتى تمكّنت الصين من اجتياح الأسواق العالمية، بما فيها أسواق أمريكا وأوروبا الغربية. وبرزت في السنوات الأخيرة، قوة اقتصادية منافسة لأمريكا، وكانت تبني بثبات قوتها العسكرية، وتوسع من حضورها الاقتصادي والسياسي في قارات العالم الثالث، الثلاث. ومن جهة أخرى، خرج الدب القطبي، من بياته، بقيادة فلاديمير بوتين، وبرز كقوة عسكرية مكافئة ومنافسة للقوة الأمريكية.

العالم الآن يعيش في مناخات مشابهة لتلك التي برزت بعد الحرب الباردة، في مطالع الخمسينات من القرن الماضي. فروسيا تعمل على استعادة مواقعها بالجمهوريات السابقة للاتحاد السوفييتي. وتشنّ منذ أكثر من عام عملية عسكرية خاصة، في أوكرانيا؛ لمنع التمدد الغربي لها. والصين تدخل في صراع سياسي حاد مع أمريكا، احتجاجاً على دعمها لحكومة تايوان، مؤكدة على أن عودة الجزيرة لبكين هي مسألة وقت، وأنها سوف تستخدم كل الوسائل، لتحقيق ذلك. وتهدد برد حاسم وقوي على أية عقوبات يفرضها الغرب عليها.

في ظل عودة مناخات الحرب الباردة، تبنت البلدان العربية، موقفاً أقرب للحياد. هذا الموقف العربي المتطور ينبغي إسناده بالعناصر التي قدمنا لها. والمطلوب تحقيق قدر أكبر من الانفتاح والتنسيق بينها؛ لتعزيز هذا الموقف. إن مجمل الظروف التي يمر بها العالم والمنطقة، تدفع بنا لاقتناص الفرصة التاريخية الراهنة، بتحقيق قدر أكبر من التكامل الاقتصادي والسياسي العربي. وهو قدر لا مناص من تبنّيه، في عالم يموج بالتنافس، ولكي نأخذ مكاننا بجدارة في مسيرة التاريخ.