آخر تحديث: 20 / 4 / 2024م - 4:24 م

النجدة

محمد أحمد التاروتي *

ثقافة النجدة تنسجم مع القيم الأخلاقية الفاضلة، حيث تختلف الاستجابة لنداء الاستغاثة باختلاف المنظومة القيمية، التي يحملها الإنسان تجاه البيئة الاجتماعية، فتارة تكون الاستجابة سريعة وتتوافق الضائقة الكبرى التي يعيشها المجتمع، وتارة أخرى تكون مخيبة للآمال وليست بمستوى الحدث على الإطلاق، فالاختلاف يكون في النظرة تجاه الغايات، والأغراض المحركة لطبيعة التحرك، لإنقاذ بعض الفئات الاجتماعية المتضررة من نكبات الحياة.

تنمية ثقافة النجدة في البيئة الاجتماعية، مرتبط بالنظرة تجاه مختلف الشرائح الاجتماعية، فإذا انطلقت من مبدأ الفوقية والاستعلاء، فإنها تكون غير فاعلة على الإطلاق، نظرا لوجود حواجز فاصلة بين المنظومة الأخلاقية المحركة، والتعاطي المسؤول مع المعاناة الكبرى التي تواجه المجتمع، الأمر الذي يتمثل في محاولة الانفصال التام عن المشاكل اليومية، التي ترزح تحتها بعض الفئات الاجتماعية، بينما تتحرك النفوس سريعا باتجاه البيئة الاجتماعية، بمجرد بروز بعض المعاناة لدى بعض الشرائح الاجتماعية، حيث تلعب المنظومة الأخلاقية، والإحساس بالانتماء الكامل للمجتمع، عناصر أساسية في ترجمة تلك القناعات الداخلية، إلى ممارسات عملية على أرض الواقع، من خلال المسارعة لدعم مختلف الشرائح الاجتماعية.

وجود قواعد أخلاقية صارمة في الممارسات اليومية، يشكل أحد العناصر الداعمة لتكريس ثقافة النجدة، في البيئة الاجتماعية، خصوصا وان المبادئ الأخلاقية قادرة على تحريك النفوس بالاتجاهات السليمة، الأمر الذي يتمثل في التفاعل المباشر مع مختلف الشدائد، التي تواجه بعض الفئات الاجتماعية، بحيث تتكفل القواعد الأخلاقية في رسم الطريق الواضح، لتقديم المساعدة للفئات المحتاجة، مما يقطع الطريق أمام محاولات البعض الصعود على الأكتاف، عبر استخدام بعض الوسائل غير المشروعة، لاستغلال الظروف الصعبة لبعض الفئات الاجتماعية، مما يعني تفريغ ثقافة النجدة من الحالة الإنسانية، إلى الاستغلال الشيطاني المقيت.

المعاناة الشديدة لبعض الفئات الاجتماعية، ليست سببا مباشرا في زرع ثقافة النجدة، في الأجيال الحالية ولدى الأجيال القادمة، ولكنها أحد العوامل المؤثرة والداعمة لتكريس هذه الثقافة في المنظومة الإنسانية، خصوصا وان المعاناة تحرك الجوانب الإنسانية للتغلب على الثقافة السلبية، وحالة التفرج تجاه الكوارث الاجتماعية على اختلافها، خصوصا وان الانقلاب الشامل في الحياة الاجتماعية جراء المعاناة اليومية، يمهد الطريق للتفاعل السريع، مما يساعد في خلق حالة اجتماعية تجاه المصائب الكبرى، بحيث تترجم على أشكال عديدة بعضها ذات أثر مؤقت، والبعض الآخر أثره دائم لسنوات قادمة.

المبادرات السريعة انعكاس عملي لسرعة الاستجابة من جانب، وتكشف نوعية الثقافة المزروعة في النفوس من جانب اخر، خصوصا وان التحركات العفوية لإنقاذ بعض الفئات الاجتماعية، تمثل حالة عاطفية تجاه المعاناة الشديدة، التي تواجه عدة شرائح الاجتماعية، ولكنها كذلك تعكس جانبا أخلاقيا يترجم بواسطة إطلاق العديد من المبادرات ذات الطبيعة الإنسانية، فالمنظومة الأخلاقية غير الملوثة تتحرك بشكل سريع، مع مختلف نداءات الاستغاثة دون النظر إلى الانتماءات، أو غيرها من الجوانب الأخرى، الأمر الذي يسهم في الارتقاء بالمستوى الإنساني، ويكرس حالة الوئام في النفوس، ”اِمحض أخاكَ النصيحة، حسنةً كانت أم قبيحةً، ساعده على كُلِّ حالٍ، وزِلْ معه حيث ما زَالَ، فلا تَطلبْنَ منه المجازاة، فإنَّها من شِيَم الدّناة“.

تكشف المعاناة الاجتماعية الشديدة معادن الرجال، حيث يحاول البعض استخدام النجدة في البروز، وتحقيق بعض المكاسب، من خلال استغلال حالة العوز بطريقة غير أخلاقية، وأحيانا ”بشعة“ للغاية، حيث تحاول هذه الفئة تسخير المعاناة الاجتماعية بشتى الطرق، لتعظيم المكاسب على الأرض، وبالتالي فإن المصائب والكوارث تمثل فرصة ”ثمينة“، لتحقيق بعض الأغراض الخاصة، حيث يتمثل استخدام ثقافة النجدة بطريقة مغايرة عن المبادئ الأخلاقية، مما يعني تفريغ مفردة النجدة من محتواها الإنساني، عبر توظيفها بخلاف انعكاساتها الأخلاقية.

تبقى ثقافة النجدة أحد الانعكاسات القادرة، على احداث تحولات ملموسة، في المنظومة الثقافية في البيئة الاجتماعية، حيث تسهم في تكريس مبادئ التعاون والتعاضد، بما يخلق الظروف المناسبة، لتكريس حالة الوئام الداخلي، في البيئة الاجتماعية الواحدة.

كاتب صحفي