آخر تحديث: 23 / 5 / 2024م - 3:40 م

العرب والتواصل التاريخي

يوسف مكي * صحيفة الخليج الإماراتية

حين تمر الأمة بحقبة نهوض، تتراجع الأسئلة حول حقيقة وجودها، والعكس صحيح، ففي حالات الضعف، تتكاثر الأسئلة، ويجري العمل على بعث هويات مندثرة، ويستعاض عن القراءات التاريخية، بقراءات سطحية، لا تربطها علاقة بالواقع، فقد نُظر على سبيل المثال، إلى حضارة بلاد النهرين، باعتبار كل حقبة منها معزولة عن الأخرى. وفي ظل هذه النظرة، تبدو الحضارة السومرية والبابلية والآشورية، شيئاً من الماضي، ولا صلة لها بحاضر العراق العربي. ومثل هذا القول، ينسحب على الحضارة الفينيقية التي أخذت مكانها في بلاد الشام، وعلى الحضارة التي قامت في وادي النيل.

وعلى الرغم من إضفاء صفة العلمية والحداثة، على تلك الأطروحات، فإنها متخلفة ومحافظة في منطقها، كونها تفترض تكلس التاريخ وتوقفه عند نقطة معينة؛ بل إنها في أحسن الحالات تضفي على التاريخ، ميكانيكية ساذجة ومسطحة، حين تتصور أن يعيد التاريخ نتاج ذاته.

إن اضمحلال تلك الحضارات، وقيام أخرى بديلة عنها، كانا تعبيراً عن صيرورة وحركة تاريخية، وأن بروز الحضارة العربية، لم يتحقق على أنقاض تلك الحضارات، أو بإحلال مصطنع لأخرى جديدة. كما لم يكن حاصل إبادة جماعية، لعناصر تلك الحضارات القديمة، كأفراد ومعطيات موضوعية ومادية، لكنه حاصل تفاعل لمجموعة من التراكمات، كان بزوغ الإسلام نقطة التحول النوعي فيها.

لقد أخذت تلك التحولات، مكانها في ظل تفاعل ديموغرافي وجغرافي وثقافي وتاريخي، تمثل في هجرات متعاقبة، من جزيرة العرب، إلى الشمال، في وادي الرافدين وبلاد الشام، وإلى الغرب، في وادي النيل، مؤدية إلى تفاعل مستمر ودائم في الثقافات والمشاعر والمواريث. فهي والحال هذه، تأكيد لحالة التواصل التاريخي، وإثبات لعلاقة العرب بتلك الحضارات وليس نفياً لها.

لقد هاجر كثير من سكان جزيرة العرب، في أزمنة طويلة مختلفة، لمراكز العمران والحضارة، في الهلال الخصيب. وكانت القبائل العربية، قد انتشرت في بلاد ما بين النهرين، منذ الألف الأولى قبل الميلاد. ولم ينقطع ذلك التسرب البشري؛ بل استمر حتى العصور الحديثة. وكان للفتح العربي الأثر الحساس، في التركيبة الجغرافية لسكان ما بين النهرين وبلاد الشام، بجعل أغلب السكان هناك من العرب.

وقد تعرض لمناقشة هذه المواضيع عدد كبير من المؤرخين الذي يعتد بهم، من أمثال، جواد علي في موسوعته، «المفصل في تاريخ العرب قبل الإسلام»، وول ديورانت في كتابه «قصة الحضارة»، وطه باقر، في كتابه، «مقدمة في تاريخ الحضارات القديمة: الوجيز في حضارة وادي الرافدين».

وحول موضوع الوجود العربي في وادي النيل، تناول محمد العزب موسى، في كتابه «وحدة تاريخ مصر»، علاقة مصر العربية الحديثة بحضارات مصر القديمة، من زوايا تاريخية وثقافية وأنثروبولوجية وفلكورية. إن مصر تنازعتها في مطلع نهضتها الحديثة ثلاثة اتجاهات هوياتية، لم تستطع التعايش معها؛ ارتباط إسلامي ينادي بالارتباط بجامعة الشعوب الإسلامية، وبجعل العقيدة الإسلامية محور التوجه السياسي؛ واتجاه فرعوني، يرى أن مصر تختلف بحكم أصلها وظروفها عمّا يجاورها من الشعوب العربية والإسلامية، وبالتالي يحصر نشاطها في نشاطها الإقليمي الذي يشمل وادي النيل. والاتجاه الأخير، هو الاتجاه العروبي، الذي يرى أن مصر جزء لا يتجزأ من الأمة العربية، بحكم الأصل واللغة والمشاعر والتاريخ، وأن الهوية العربية ينبغي أن تكون محور الفكر والسياسة.

إن النظرة الواقعية للتاريخ المصري، ينبغي ألا تبتر الماضي، ولا تعده عبئاً أو قيداً على الحاضر. إنها تركز على الحاضر، لكنها تتسع للماضي، وتبحث فيه عن جذور الحاضر. إن مصر ليست مومياء قدمت لنا من أعماق التاريخ، فقد كانت ولا تزال من أكثر الشعوب تجدداً ومرونة. وقد جدد الشعب المصري دماءه عدة مرات عبر التاريخ.

وقد ناقش في ذات السياق، جمال حمدان في كتابه «شخصية مصر»، دراسة في عبقرية المكان، علاقة مصر بالعروبة، فأشار إلى أهمية التذكير بقيمة وخطر الهجرة العربية على وادي النيل، فهي التي غيّرت لسان مصر القديمة، وعربيتها كلياً ونهائياً. ويرفض مقولة إن المصريين شعب مستورد من الجزيرة العربية، فلم تكن هناك عملية إحلال أو إبدال، كاملة أو جزئية للشعب المصري، وليس أبعد منها عن الحقيقة، سوى النظرة الأخرى، التي تقلص الوجود العربي الجديد، إلى مجرد قشرة رقيقة، على السطح لا وزن لها كماً ونوعاً. لقد كان هناك باستمرار تقارب أنثروبولوجي وأثنولوجي بين العرب والمصريين، لأنهم من أصل مشترك.

خلاصة القول، إن العروبة، لم تنشأ من فراغ ولم تأخذ مكانها في ظل أي نوع من أنواع القطيعة؛ بل كانت تعبيراً عن تواصل حضاري وتاريخي مستمرين.