آخر تحديث: 21 / 7 / 2024م - 6:06 م

الحلقة الثالثة من سلسلة حوارات خيالية بين الشاعر علي بن مكي الشيخ ودواوين مجموعة من الشعراء‎‎

ديوان «عمّتي تتزوّج الريح».. للشاعر والناقد السعودي محمد آل قرين - القطيف

علي مكي الشيخ

مازال الخيال يمدنا بالكثير من الجمال.. ويمتصّ ما ترسّب من عوالق الجفاف.. على جدران الذاكرة..
ويفتحنا الخيال هنا على نافذة من المجاز الرفيع.. وبين يدي الشاعر الناقد الكبير محمد سلمان آل قرين.. عبر ديوانه ومنجزه الثاني

”عمّتي تتزوّج الريح“

وقبل الدخول في الحوار الخيالي.. والتنزه بين أفياء المنجز الجميل، أقف قليلا حول هذه الشخصية العملاقة

أبو زينب..

من الشخصيات التي أدين لها بالكثير من الفضل.. في وجوده تشعر بالأمن الأدبي والفني.. يشعرك بكاريزما النص العالي، وفخامة القصيدة
شخصية.. مكتنزة بالوعي الإنساني المعرفي، يهندم المكان الذي يجلس فيه.. ويهندس اللحظة التي يتداخل فيها
يرتقي، بك من حيث هو هو.. ويقترب إليك من حيث أنت أنت..

له من الأعمال المطبوعة

- نقوش على حائط الصبح
- عمتي تتزوج الريح

أما أعماله غير المطبوعة فهي متكأثرة.. شعرا ونثرا
ورغم ما يمتلكه من هذا الثراء الهائل، إلا أنه يزهد في النشر والإعلام.
فلديه عدة دراسات نقدية مهمة، وراقية
أعود كي لا يشطّ بي البوح حول من غمرني بألطاف نبله.

السؤال الأول:

نقف عند عتبة الديوان الأولى.. ومن وحيها كانت العلاقة بالأرض القطيف.. التي وهبتك جذوعك المريمية..

ماذا تمثل لك القطيف؟!

وحبذا لو وقّعت لنا شيئا من سيرتك الشخصية؟!

أبو زينب:

”ماتزال رياح المجاز تحملُ مزيجا، من لقاح المشاعر، والأفكار،
راجيًا أن تجد في عذوق هذه النصوص شيئا من رُطبِ الجمال“

أما للجواب على سؤالك فأقول:

”القطيف، أرض الخَط محافظةٌ تتربعُ كحورية البحر على ضفاف الساحل الشرقي من جسد المملكة العربية السعودية.

القطيف، أرض النخل والشعر..وهي التي أرضعتني لبن اللغة،

ورئتي التي أوشكت أن تتحجر.

كيف لا تكون كذلك، والشعراء النابتون على ضفافها، يضارعون نخيلها عددا وسموّا..

وما أنا بينهم إلا فسيلةٌ صغيرة.“

أما عن تكوين الهُوية فقد كتبت:

”أنا ابن البحرِ والصحراءِ والأشجارِ والنخلِ
ومنْ في هذهِ الدنيا منَ الأحياء هم أهلي

وصبحي عاريًا مذ جاءني ألبسته شكلي
«قطيفيٌّ» وعصفورُ الغرامِ معانقًا شتْلي“

- شكرا لك أبا زينب.. هذا من تواضع الكبار

السؤال الثاني:

ماذا يعني.. عمتي تتزوج الريح.. استخدامك العنوان بهذه الطريقة جعل القارئ يتساءل.. كيف تتم عملية التزويح الريح.. بمعنى آخر.. ما الطريقة المثلى لقراءة المنجز بالأسلوب المطلوب؟! وهلا وجّهت قارئك أستاذي؟!

أبو زينب:

قارئي - المحترم،

إنّ ما بين يديك سيحوجك أحيانًا إلى أن تفتحَ النوافذَ الحدسيةَ في عوالمك، وإلا لن تتمكل الرؤيا المتخلقة في هذه التجربة.

لهذا أتيحُ لك الفرصة لمشاركتي في إبداعِ كتابة هذه المجموعة. بدواةِ القراءة..

السؤال الثالث:

ممكن تضع لي ملخصا لهذا المنجز، وما أبرز عناوينه؟!

أبو زينب

”عمتي تتزوج الريح“

تحاول الاتكاء على المنطق الجمالي، لا المنطق الأرسطي.

في تناول نصوصها حتى تكتمل اللوحة

وأنا مطمئن تمام الاطمئنان أن خيطًا رفيعًا سيقع بين أناملك لتنضد فيه اللازمكانيات المتناثرة هنا عندما تأكلُ اللحظات نفسها.، ويعلكُ الفراغُ الأمكنة.

وهذه النصوص توزعت على أربعة مقامات:

- مقام من الإيمان
- مقام نزول
- مقام بين نزول وصعود
- مقام صعود

السؤال الرابع:

أبا زينب..

قبل الدخول للتجربة.. ما زلتَ لم توضحْ للقارئ منْ هي النخلة.. التي تتزوج الريح؟!

أبو زينب

حسنا.. سأجيبك من خلال الاستفتاح الذي وقعته بعد التقديم.. فقد أوردت بعض الوثائق الحديثة.. حول ما أردت عزيزي

رُوي عن ابن عمر عن النبي ﷺ قال: ”أحسنوا إلى عمتكم النخلة فإن الله خلق آدم ففضلَ من طينته فخلق منها النخلة“

السؤال الخامس:

هل يعيش الشاعر غربته الخاصة.. وهل لكل شاعر حالة من الانعزال الروحي؟!

أبوزينب..

ستقرأ وستقف في هذا الذيوان على محطات هذه الغربة.. والتي عالجتها بأكثر من أسلوب.. منطلقًا في ذلك من رؤية الشاعر دِعْبِل الخزاعي في بيته الشهير

”إني لأفتحُ عيني حين أفتحها

على كثيرٍ ولكن لا أرى أحدا“

- وماذا قلت أنت يا عزيزي؟!

أبو زينب..

”غريب إنني في عقرِ داري
فلم ألقَ الأحبةَ في جواري

أحاطوا بي ولكن لا أراهم
أناسًا بل يباسٌ في خضاري

كثيرٌ هم ولكن في خيالي
قليلٌ في الحقيقةِ با ختصارِ

وفي وسطِ الزحام أكونُ وحدي
وذاتي في ازدحامٍ وانشطاري“

السؤال السادس:

في نص ”عمتي تتزوج الريح“

وجدته مشروع قصيدة لمسيرة النخلة في حياة الإنسان، منذ فجره الأول مرورا بكل الحضارات التاريخية، وصولا لنخيل القطيف.. وتمنيت لو أفردت في منجزٍ مستقل لفرادتها..

وهنا سأقف معك في عدة تساؤلات:

- من أول غارس للنخلة التي خلقت من طينة آدم؟!

أبوزينب:

”وأنت المرايا لفطرته.. يوم «آنوشُ»

بسمل يطّرحُ الجذر في التربِ

بين بياضِ السواد...“

- عفوا.. ومن هو ذا «آنوشُ»؟!

أبو زينب:

آنوش بن شيث بن آدم أول من غرس النخل في العراق.

- جميل.. وما أهم الحضارات التي اعتنت بها

أبو زينب

”«بفينيق» هيكل خصبٍ، وما صارعتك سوى أخواتٍ هناك تسمّى المسلّات“

- وهل تعالقت النخلة مع مسيرة بعض الأنبياء؟!

أبو زينب:

قلتُ مخاطبا إياها:

”أيا عمّتا ألفُ «مريم» من رُطبِ الوحي تطعم ألفَ «يسوعا»

وما خلت من بعد هذا نبيًّا يدثَّرُ جوعا“

- أحسنت كثيرا..

وماذا عن النخلة القطيفية؟!

أبو زينب..

”أيا عمتا.. يا أميرة كلّ الحقولْ

ويا منْ ترشين أفكار سعفك فوق العقول

أنا نخلةٌ في ضفاف «القطيف»

سمعتُ الذي قلتِ أم لم تقولي..“

- لفت انتباهي وأنت تجوب أزمنة النخلة الشعري

فاستوقفتني غابتا نخيل ”السيّاب“ وحاولت تفكيك لغز الشيفرة في مطلع قصيدته

حدثنا عن ذلك باختصار..؟!

أبو زينب..

”تصبين صمتك فوق شفاه النبوءة.. تأويلَ نبض..

عرفتُ لماذا «ابنُ جيكور»

حنّ بعيني «وفيقة» عند السّحَر

لأنهما غابتاك اللتان مضى فيهما حكم فأس القدر

لأنك يا عمتي وطنٌ كان يلهم أنشودة للمطر..“

حقا يمتد الحديث حول هذه المعلقة الشعرية الفارعة

ولولا خشية الإطالة لأكملت الكثير من الوقفات حول هذه التجربة الأمتعة.

السؤال السابع

اسمح لي بأن أقفز للسؤال قبل الأخير..

وجدتك في نص ”خربشة.. في صفحة القدر“

تعالج الألم بالأمل، والظلام بالضوء، والكراهية بالحب..

فماذا تقول في ذلك؟!

أبو زينب

”سأهدي ذئاب النصّ أنفَ قصيدتي
لتجدعهُ حبًّا كأنّي «المرقّشُ»

يدسُّ حبيبي الشوكَ في دربِ حبنا
وإني له أهدابَ عيني سأفرشُ

وإن صبّ فوقي العتْبَ صوتًا محنظلا
سأطعمُهُ صوتي، وصوتيَ مُشًمُشُ“

السؤال الثامن..

حبذا لو ختمت هدا اللقاء معزوفة معتقة من دنان جواهرك الشعرية.

أبو زينب..

أرهف السمع يا عزيزي لهذه المقطوعة التي أجدها تأخذني للبعيد البعيد..

”قالت لي الريح
.. ما قالت ليَ الريحُ
يكفيك من شفةِ الأنسامِ تلميحُ
قالتْ ليَ الريحُ
اغنِّ، ارقصْ، تكنْ بشرًا، حرًا، تقيًّا
لأنّ الرقصَ تسبيحُ!!
والرقصُ في شرعة التكوينِ فطرتُنا
ما عافه كائنٍ..
حتى المذابيحُ“

- شكرا لروحك الكبيرة، ولهذا السلسبيل المغدق.. والذي يفتح شهيتنا للبوح أكثر لعلنا نوفق للاستفادة من نميرة

- في لقاءات قادمة.