آخر تحديث: 14 / 7 / 2024م - 1:08 م

تجربة الهامش وتحولاتها في الكتابة

محمد الحرز * صحيفة اليوم

لا أجد توصيفا أكثر واقعية ولا أكثر تعبيرا عن تلك الحالة التي كنت فيها منغمسًا في عالم الكتابة في فترة بداية التسعينيات، هي تلك الحالة التي تشبه رجلا مزارعا حدود عالمه هو حدود حقله الذي يزرع فيه احتياجاته اليومية من خضراوات وفواكه، غير ذلك لا يسعى أن يعرف أو يهتم خارج حدود هذا الحقل، وليس معنى ذلك أنه لا تربطه بالخارج عوالق أو علاقات من هنا وهناك، وإنما لأن هذه الروابط أقل ضغطا وأقل تحكما به إذا ما تعلق الأمر بروابطه التي تتصل بعالمه الكتابي، وكأن الفصل بينهما لا تظهر - أولا - مؤثراته إلا في الحالات النفسية والروحية والإدراكية التي تشكل رافعة لحظة الكتابة، وثانيا تتجلى في البحث عن شكل ومضمون يلبي ويستجيب بما يتوافق وهذه الحالات كما المزارع الذي يبحث عن مساحة في حقله لم يحرثها مسبقا بفأسه أو جرافته، هكذا كانت تلك الفترة كما أراها الآن، وقد تنسحب على غيري من جيلي الذي بدأ يكتب متزامنا مع تلك الفترة وبنفس القناعة تحديدا، كنت لحظتها أدرك تمامًا أن ما نغامر بكتابته من إبداع تحت مسمى قصيدة النثر ليست مغامرة فحسب، إنما هي مخاطرة من النوع الذي لا تحمد عقباه، لأنك ستضع قدميك في طريق معزول، لا معالم واضحة له، بالنسبة للمحيط الذي تعيش فيه، وتتعمق العزلة إذا ما أدركت أيضًا أنه طريق يخلو منه البشر تماما في عيون هؤلاء، لذلك لا تراهن كثيرا على ما يمكن أن يقدمه الآخرون على ما تحتاجه من دعم أو تحفيز، بالخصوص وأنت تخطو الخطوات الأولى في عالمك الكتابي، ما تملكه وتحت تصرّف يديك هما أمران فقط، قوة الإرادة في تحقيق الذات، والإصرار الدائم على إثبات وجودها رغم العقبات والعوائق، والأمر الآخر هو الهامش الذي يتاح لك فيه اللعب دون مسؤولية اجتماعية أو ثقافية أو تقاليد كتابية تحد من قوانينك الخاصة التي تمارس من خلالها الكتابة الإبداعية، وهذا ليس معناه التخلي المطلق عن فكرة الروابط التي تجمع بين المسؤولية من جهة وممارسة الكتابة من جهة أخرى، لكن الحديث عن فكرة هذه الروابط له موضع آخر من الكلام، ليس هنا محله، ما قصدته هو أنك وحدك من يضع قوانين الكتابة التي تلزمك ولا تلزم غيرك، هذه القوانين قد نطلق عليها تارة الأسلوب، وقد نطلق عليها تارة أخرى اللغة الجمالية أو شيئا آخر كالشخصية العامة للكاتب. 

إذن هي جميع ما سبق لكنها في نفس الوقت شيء آخر يتجاوز ما قلناه، يمكن تسميته مجازا لعبة تقطير العالم في فجوات اللغة، وضع كهذا تمارس فيه الكتابة على هامش الحياة الثقافية التي اعتاد الناس فيها الاحتفاء بالمتن ومبدعيه الكثيرين، وتمارس فيه الكتابة أيضا بوصفها لعبة تصنع مستقبلها بقوانينها الخاصة، وضع كهذا كنا متأكدين من خلاله أن ما نكتبه هو المستقبل الذي سيفتح أبوابه للحداثة الشعرية القادمة، انقضت إلى الآن أكثر من ثلاثة عقود من الزمن، ولم يفتح المستقبل أبوابه، نسمع صريرها من بعيد، وعندما نلتفت، يتلاشى مثل السراب، والغريب في الأمر، كان الهامش الذي بدأنا في أوساطه الكتابة في مشهدنا المحلي هو ما فرضته حينها الحياة الثقافية والأدبية التي لم تتخلص من نظرتها التقليدية للأدب والكتابة في عمومها.

وعلى الرغم من ذلك كنا متمسكين - بقوة المستقبل - بما نكتب، وعندما جاءت الحياة الثقافية الجديدة وانفتح البلد على العالم كالسيل الهادر في جميع مجالات الحياة الثقافية والأدبية والعلمية والاجتماعية والاقتصادية، خفتت روح الهامش التي كانت رافعة لنا في كتابة النصوص المتميزة، هل لأن ما صاحب الانفتاح الثقافي هو الاحتفاء الكبير الذي تتلقاه النصوص الكلاسيكية، في لحظة كنا نظن أن الأجدى بالاحتفاء ولو بالنزر اليسير هو ما نكتبه؛ لأنها بكل بساطة تمثل الوجه الآخر للانفتاح الذي تعبره بلادنا؟!