آخر تحديث: 25 / 7 / 2024م - 3:54 م

نعم الولي علي عليه السّلام

عبد الرزاق الكوي

تمر الذكرى المؤلمة والفاجعة العظيمة والمصيبة الكبرى التي تدمي القلب وهي شهادة إمام المتقين أمير المؤمنين الإمام علي بن أبي طالب ، في هذا المصاب الجلل يقف الإنسان عاجزا عن وصف فقده فلو اجتمعت البشرية بمفكريها وعظمائها وعلمائها لكتابة تعزية وكلمات في حق إمام العدالة لما استطاعوا أن ينصفوا هذه القامة التي خصها الله تعالى بالرفعة والمكانة، فقد قال الرسول ﷺ: «يا علي، ما عرف الله إلا أنا وأنت، وما عرفني إلا الله وأنت، وما عرفك إلا الله وأنا...» فالتعبير عن مكانته والكتابة عنه ما هو إلا أفضل الأعمال قربة لله تعالى يتقرب بها بمحبته وموالاته والتشرف ببركات ذكره وطهارة للنفس وصفاء للقلب إحياء ذكرى استشهاده، يعتبر من أفضل العبادات ومحبته نجاة من النار فلا غرو فهو قسيم الجنة والنار يعرف المؤمن بحبه ويعرف المنافق المخلد في النار ببغضه، من أحبه أحب نبي الأمة ومنقد البشرية المصطفى محمد ﷺ، مسيرته عطره اختار الله تعالى له بيته المشرف ليولد داخل الكعبة فلم يصل إلى هذا الشرف قبله أو بعده أحد، وعلى امتداد مسيرته الظافرة بالمجد مرت أيام حياته كان عنوانها الكمال في كل حركاته جميعها لله تعالى وفي سبيله.

قال وهو إمام المتقين

«لم استوحش طريق الحق لقلة سالكيه» كانت مسيرة عظيمة وإيمان راسخاً وعقيدة ثابتة أخدها من مدينة العلم معلمه الأول النبي محمد ﷺ حيث قال «واللهِ لَو وَضعوا الشَّمسَ في يميني والقمرَ في شمالِي علَى أن أتركَ هذا الأمرَ حتَّى يُظهرَه اللهُ أو أهلِكَ فيه ما تركتُهُ».

سيرته المباركة شعاع الاهي ونور محمدي جاء من أصلاب الشرف والطهارة والشجاعة ومكارم الأخلاق، فالأب والأم كانا كفيلي النبي ﷺ أحبهما الرسول وحفظ لهم ما قام به من أجله، أعطى الرسول ﷺ جل عنايته إلى أمير المؤمنين فكان خير معلم لخير تلميذ تكاملت شخصيتهم وخلد علاقتهم، فشخصية أمير المؤمنين ذات أبعاد متكاملة وصلت إلى مستوى الإعجاز، حيث تعتبر وليدة تربية الرسول وعنايته حتى تصل هذه الشخصية كمثال وقدوة لا تتكرر، فمنذ خلق الإمام علي كان الأول على المسلمين في كل مراحل حياته، لم يتغير قيد أنملة يحتاجه الجميع ولا يحتاج إلى أحد، ليس في زمانه بل في مجمل المسيرة الإنسانية بما يملك من مقومات التكامل لقيادة دفة حياة البشرية لبر الأمان، والحل اليقين لكل معضلة، فهو القائل ولا قائل قبله أو بعده «سلوني قبل أن تفقدوني».

رغم ما حاول من تغييب مكانته وحصاره ظهر ما ينير العالم من علمه وتقواه وعدله، عمل في سنين حياته القليلة مكافحا، فرزقه الله تعالى البقاء الدائم والتاريخ المشرف والمرقد المبارك مهوى القلوب، كرس جل حياته للإسلام لم يرغب في متاع الدنيا واليوم مرقده يرصع بالذهب كبقعة من أطهر بقاع الأرض.

كان الأب الحنون والقائد العادل والعابد المتفاني في حب الله تعالى والناصر للرسول ﷺ والرسالة، عمل من أجل السلم الاجتماعي وحارب الحقد والكراهية قال رسول الله عنه تعريفا بمكانته وفضله «أنا وعلي أبوا هذه الأمة»، كان منطقه منطق الرسول ﷺ، في العمل على نجاة الأمة من الانحراف، «علي مع الحق والحق مع علي».

لم يشغله المناوئين والمنافقين والناكثين والقاسطين والمارقين وغيرهم ممن ابتلى بهم لتعطيل عجلة الإصلاح وبناء المجتمع الفاضل الذي كان أهلا لبناءه، حتى قال سلام الله عليه «ما ترك لي الحق صديقا».

السعيد من ارتقى ليكون في ركب هذه القامة العظيمة، آية من آيات الله العظمى، أن تنقى النفس من التقرب منه، أن يتشرف بمحضرة، ويقتبس من نوره وتنعكس العلاقة معه على مجمل العلاقات الاجتماعية من تسامح ومحبة وتواصل وتكافل، أن تواكب الأعمال في هذا الشهر بالارتباط مع هذه الشخصية المتفانية في الله تعالى، بالحضور القلبي وتكامل الشخصية في مجمل الحياة، أن يسود التقارب ونبذ التباعد والكراهية والأحقاد في المجتمع.

فالمصيبة عظيمة والاتباع يحيون هذه الذكرى يغمرهم الحزن فالسماء تبكيه والمحبين ثكالى لغيابه، وهو يتضرج بدمه الطاهر في محرابه مناديا حيث قال وهو المتيقن بحسن الخاتمة والفائز في مسيرته «فزت ورب الكعبة»، هنيئا لك هذه المسيرة النورانية وهذا القرب الإلهي وهذه المحبة في القلوب، لم يمت إمام العدالة سوف يبقى ما بقي الدهر في قلوب محبيه مع دقات قلوبهم تجري مجرى الدم في عروقهم، هنيئا للمحبين هذه العلاقة الصادقة والولاء المتفاني.