آخر تحديث: 20 / 6 / 2024م - 9:46 م

شهر التوبة 5

محمد أحمد التاروتي *

الفوز بالجنة غاية كل مؤمن بالله، فأعمال الخير في مختلف المجالات تستهدف رضوان الله تعالى، خصوصا وان الخشية من العقاب تدفع باتجاه الالتزام الكامل بالأوامر، واجتناب النواهي، بهدف الوصول إلى الغاية السامية والتقرب إلى الله تعالى، وبالتالي تحقيق الأمنية الكبرى، وهي دخول الجنان، لا سيما وان ارتكاب السيئات تبعد المؤمن عن الطريق القويم، مما يجعله عرضة لنيل العقاب الأخروي.

الالتزام بالعبادات وعدم الخروج عن الأوامر الإلهية، إحدى المنن الربانية التي حباها الخالق للكثير من عباده، خصوصا وان المغريات الدنيوية تفتح الطريق أمام الإنسان للانغماس في ملذاتها، مما يبعده عن الطريق المستقيم، وبالتالي الدخول في مسار خاطئ يقود إلى الهلاك والخسران، نتيجة الأعمال السيئة التي ارتكبها، وعدم الالتزام بالأوامر الإلهية الهادفة، إلى إيصال الإنسان إلى الصلاح، والنجاة من المصير البائس، والخلود في نار جهنم ”إن تكفروا أنتم ومن في الأرض جميعا فإن الله لغني حميد“.

فلسفة العبادة لله تتجاوز مفاهيم العبودية السائدة في التفكير البشري، فالإقرار بالذل الكامل للخالق لا يقارن على الإطلاق، بالخضوع الذي يمارسه البشر تجاه بعضهم البعض، فالإنسان بما يمتلك من حرية وإرادة، بإمكانه اختيار الطريق للاعتراف بالعبودية، والدخول في طريق النجاة، فضلا عن امتلاك الحرية الكاملة للابتعاد عن الطريق المستقيم، ”إِنَّا هَدَيْنَاهُ السَّبِيلَ إِمَّا شَاكِرًا وَإِمَّا كَفُورًا“، وبالتالي فإن الإجبار والقهر ليس واردا في العلاقة مع الخالق، بخلاف العبودية البشرية التي تمارس بمختلف أنواع الذل، والقهر والإهانة، نظرا لاستلاب الإرادة والحرية، مما ينعكس على طبيعة تلك العلاقة القائمة على منطق القوة بالدرجة الأولى.

إعطاء الخالق الحرية الكاملة لاختيار طريق العبودية، أو طريق الكفر، ينطلق من مبدأ العقاب والثواب، فالإنسان يحدد مصيره الأخروي من خلال طريقة الاختيار في الحياة الدنيا، بيد أن الخالق لم يترك عباده في حالة ضياع وتخبط، وإنما حرص على إرشاد العباد إلى سبيل الحق والصواب، من خلال العودة إلى الفطرة السليمة، عبر إرسال الرسل إلى الأقوام على اختلافهم، بهدف إلقاء الحجة على الناس ”رسلا مبشرين ومنذرين لئلا يكون للناس على الله حجة بعد الرسل“، وبالتالي فإن الرحمة الربانية تتمثل في إرسال الأنبياء والرسل، لإعادة الناس إلى الطريق القويم.

الكرم الإلهي على البشر يصعب تصوره، فالعقل غير قادر على إدراك الرحمة الربانية، مما يدفع الإنسان باتجاه استمرار الطمع الدائم للدخول في الجنة، ”ولا تيأسون من روح الآلهة“، فالتعلق بالرحمة الإلهية مطلوبة على الدوام، ”يا ابن آدم، لم أخلقك لأربح عليك، إنما خلقتك لتربح على، فاتخذني بدلا من كل شيء فإني ناصر لك من كل شيء“، وبالتالي فإن الطمع في الرحمة الإلهية يمثل طريقا مفتوحا على الدوام، لاسيما وان التوبة مفتوحة على الدوام، ”إن الله يحب التوابين ويحب المتطهرين“، الأمر الذي يستدعي التحرك باتجاهات مختلفة، لتجسيد مفاهيم العبودية في السلوك الباطني والممارسات الخارجية.

الحصول على الثواب الجزيل من الخالق، مصير كل إنسان ملتزم بالعبادات، وحريص على السير في الطريق المستقيم، حيث تمثل عبادة الصوم أحد تجليات العبودية تجاه الخالق، خصوصا وان فريضة الصوم إحدى الفرائض التي اختصها الله بها لنفسه ”كل عمل ابن آدم هو له إلا الصيام فهو لي وأنا أجزي به“.

كان من دعاء الإمام علي بن الحسين السجاد زين العابدين - - إذا دخل شهر رمضان

”الحمد لله: الذي هدانا لحمده، وجعلنا من أهله، لنكون لإحسانه من الشاكرين، وليجزينا على ذلك جزاء المحسنين“.

”والحمد لله: الذي حبانا بدينه، واختصنا بملته، وسبلنا في سبل إحسانه، لنسلكها بمنه إلى رضوانه، حمدا يتقبله منا، ويرضى به عنا“.

كاتب صحفي