آخر تحديث: 21 / 5 / 2024م - 10:25 م

شهر التوبة

محمد أحمد التاروتي *

يشكل شهر رمضان المبارك فرصة كبرى للمرء في إعادة برمجة الحياة، من خلال وضع الآليات والبرامج القادرة على انتشال الروح من مستنقع الغفلة، فالروحانية التي تخيم على المسلمين بمجرد حلول الشهر الفضيل، يصعب توافرها في الأشهر الأخرى، لا سيما وان عناصر الروحانية تتجلى في الكثير من المفاصل الحياتية، فالصيام يحدث أثرا روحانيا يصعب وصفه، مما يحرك الإنسان للعمل، والحرص على التقرب للخالق، عبر المزيد من الممارسات العبادية، وبالتالي فإن القدرة على البرمجة تكون متاحة للمسلم طيلة أيام الشهر الكريم.

الممارسات العبادية للمرء أثناء الصيام، وكذلك في أوقات المساء لا تنحصر في طريقة واحدة، أو أسلوب محدد، فجميع أعمال الخير تصنف ضمن الممارسات العبادية التي تقرب المرء إلى الخالق، فالشعور بالجوع للصائم عنصر فاعل في تحريك النفس، وترويضها لمقاومة المغريات الدنيوية، الأمر الذي يساعد في تقوية الإرادة، وعدم الانسياق وراء الرغبات الحياتية، مما ينعكس بصورة مباشرة على زيادة الجرعة الإيمانية لدى المسلم، لاسيما وان المغريات التي تحيط بالصائم، لا تقتصر على الإطار المادي، ولكنها تشمل الجوانب المعنوية، بحيث يترجم في العديد من المطبات، والامتحانات الكبيرة، وبالتالي فإن صمود الصائم أمام تلك المغريات، يعود عليه برفع الجرعة الروحانية.

الحصيلة الروحانية التي يكتسبها الصائم خلال شهر رمضان المبارك، تشكل الوقود المعنوي الذي يساعد في مواصلة مشوار التقرب إلى الله في جميع الأمور، بيد أن الاكتفاء بهذه الكمية من الجوانب الروحانية ليس مطلوبا على الإطلاق، فالقناعة ليست محبذة في اكتساب الجوانب الروحانية، باعتبارها الطريق نحو الارتقاء بالذات، نحو المزيد من الارتباط بالخالق، وبالتالي فإن شهر رمضان المبارك يفتح السبيل أمام المسلم، للانخراط بقوة في طريق العبادة، حيث تلعب العبادات على اختلافها دورا فاعلا، في تحطيم المغريات الدنيوية، والعمل على تحريك جوانب الخير، والاعتراف بالعبودية، والتذلل لفاطر السموات والأرض.

عملية اكتساب الروحانية للصائم، تتمثل في الالتزام بفريضة الصيام، من خلال الإمساك عن الطعام والشراب والامتناع عن الأعمال الخادشة لهذه العبادة السامية، لاسيما وان الصائم يحاول التقرب لله عبر رفض كافة المغريات طيلة ساعات النهار، الأمر الذي يتجلى في تحسين السلوك الخارجي، ومحاولة إحداث تغييرات سلوكية، سواء على الصعيد الذاتي أو الاجتماعي، فالصوم يحرك النفوس باتجاه التفكير الجاد في طريقة الحياة، من خلال إعادة العديد من السلوكيات في التعاملات مع المجتمع الصغير، وكذلك مع البيئة الاجتماعية بشكل عام.

الإمام السجاد يضع الأسس والركائز للانطلاق بقوة نحو التقرب إلى الله، من خلال الدعاء المنقول عنه مع دخول شهر رمضان المبارك، حيث يركز على أهمية الحمد لله على الهداية لحمده، فالإقرار بالعبودية أمر مطلوب للعبد في جميع الأوقات، كما أن الحمد لله ممارسة تتجلى في الكثير من الأعمال سواء المادية أو المعنوية، فالصائم مطالب على الدوام بإظهار الحمد لله في جميع الأمور، سواء خلال الأوقات الرخاء أو الشدة، فهذه الامتحانات الحياتية على اختلافها، تمحص العبد وتظهر مقدار الإيمان.

بلوغ المسلم لشهر الصيام نعمة ليست متاحة للجميع، فهناك فئات محرومة من نيل شرف الصيام، والقدرة على تأدية هذه الفريضة العظيمة، سواء نتيجة الموت أو بسبب الذنوب، والغفلة من الالتزام بشرع الله في أداء فريضة الصيام، الأمر الذي يفرض على المسلم تأدية هذه النعمة الكبرى، بمزيد من الحمد والشكر لله على توفيقه بدوام الصحة والعافية، على الصيام طيلة الشهر الفضيل.

ويقول الإمام علي بن الحسين السجاد زين العابدين - - إذا دخل شهر رمضان

”الحمد لله: الذي هدانا لحمده، وجعلنا من أهله، لنكون لإحسانه من الشاكرين، وليجزينا على ذلك جزاء المحسنين“

كاتب صحفي