آخر تحديث: 14 / 6 / 2024م - 5:02 م

المتلقي

محمد العلي * مجلة اليمامة

يكثر تردد هذه الكلمة «المتلقي» عند الكتاب، ولكن من هو المتلقي؟ هذا سؤال لم يخض في تفصيله من قرأت لهم من الكتاب، فهم يحصرونه في المتلقي الفرد. وإجابة السؤال تتفرع وفق الدافع إلى الكتابة، فقد يكتب الكاتب وفى ذهنه فرد، أو فئة ما  محددة  يتوجه إلى مخاطبتها. وهذا النوع من الكتابة قد يبقى، إذا كان محتويا على شروط البقاء الفنية، أو يفنى بذهاب مناسبته  إذن  ليس هو المقصود بالمتلقي. إن المقصود به هو المجتمع لا الفرد ولا الفئة.

منذ بدء التاريخ  الواعي  كان النظر إلى المجتمع منشطرا بين ثنائية القبول بما هو عليه، أو الرفض له. وفى ثقافتنا حمل قلة من الشعراء عبء هذا الانقسام بدءا من الصعاليك مرورا بدعبل الخزاعي الذي يفتح عينه «على كثير ولكن لا يرى أحدا» فأبو تمام الذي يرى «الزمان مغفلا» فابن الرومي الذي صب غضبه على التجار والشرطة، فالمتنبي الذي يرى «دهرا ناسه ناس صغار وإن كانت لهم جثث ضخام» فالمعري الذي وصف ذهنية المجتمع بالصدئة، وأن كل ما هو عليه ترتع فيه الخرافة، إلى السياب القائل «سيزيف إن الصخرة الآخرون» إلى الشاعر السوداني محمد الفيتوري:

«سألوني/ وها أنا أشهد/ أن الزمان عجيب/ وأعجبه أن هذي الجموع/ تغني وترقص في قفص من حديد»

الرؤية الناقدة هي سبب الرفض. وبدون هذه الرؤية، لا يمكن ارتفاع الفرد على ذاته، ولا تقدم أي مجتمع؛ لأن الرفض إدراك لخلل  ما  فيه، أو نقص في ناحية من نواحي سلوكه المادي أو المعنوي، ودعوة جادة، حتى التضحية، إلى علاجه كمرض من الأمراض. ونظرا لأن المجتمع  في غالبيته  يقاوم أي فكرة تخالف ما هو عليه، حتى لو كانت الفكرة مصباحا يضيء له طريقا لتجاوز ما هو عليه إلى الأفضل. وهذا هو سبب ما حدث ويحدث في التاريخ، بكل أزمنته، من المجازر الضالة. مما لا يحتاج إلى ضرب الأمثلة.

القدماء من أصحاب المعرفة  بأبعادها  المختلفة، كانوا يشبهون الأكثرية الأفقية من المجتمع بالجراد، ويطلقون عليهم أوصاف الازدراء مثل الغوغاء والرعاع وغيرها، ويحرم بعضهم اطلاعهم على معارف عصرهم. وهذا العداء الضاري سببه رفض الأكثرية الأفقية لما يطرحه أصحاب المعرفة هؤلاء من آراء، مهما كانت هادية. وهذا  مع الأسف  ما عليه حاضرنا العربي.

كاتب وأديب