آخر تحديث: 22 / 2 / 2024م - 11:07 ص

المسؤولية البينيّة

ناجي وهب الفرج *

حتى يمكن تحقيق الضمانات، وصون الأمانات، وحفظ الحقوق، ونماء المجتمعات، ولكي ينعم الناس بالطمأنينة والاستقرار، كان لا بد من تحلِّي هؤلاء الناس بحس المسؤولية في جميع علاقاتهم ومعاملاتهم.

يبرز أثر المسؤولية على جميع مناحي الحياة، فالعلاقات الزوجية بين الزوج والزوجة تدوم وتستمر بتحمل كلا الطرفين المسؤولية تجاه بعضهما البعض والتزامهما بها، كذلك بين الموظف وجهة عمله ومراعاة مَا لكل طرف ما له من حقوق وما عليه من واجبات، ومسؤولية العبد أمام الله وما عليه أن يؤدي من واجبات حتى لا يخرجه من عدم التزامه بها عن طاعة الله جل وعلا ورضاه فقد أشار جل وعلا في أكثر من موضع إلى هذا المعنى وأكد عليه حيث قال: «إِنَّ السَّمعَ وَالبَصَرَ وَالفُؤادَ كُلُّ أُولئِكَ كانَ عَنهُ مَسئولًا»،[سورة الإسراء: 36] وهي من صريح الآيات وأشدها وقعاً على النفس والتي تبين عظم مسؤولية الإنسان وتحمله لجميع تصرفاته السمعية والبصرية والعقلية. وكذلك قوله تعالى: «سَتُكْتَبُ شَهَادَتُهُمْ وَيُسْأَلُونَ»، [سورة الزخرف: 19] والمقصود بالسؤال هنا هو السؤال يوم القيامة عن شهادتهم التي كتبت عليهم في صحائفهم في دنياهم. وقال تعالى: «ثُمَّ لَتُسْأَلُنَّ يَوْمَئِذٍ عَنِ النَّعِيمِ»، [سورة التكاثر: 8] والسؤال هنا سيكون عن النعيم الذي أنعمه الله تعالى على خلقه في يوم القيامة، وسيكون عن هذا النعيم: هل استعمله الإنسان في طاعة الله، وهل شكر الله عليه، وهل اكتسبه بطريق مشروع أم بطريق غير مشروع.

فالمسؤولية عند اللغويين هي مصدر صناعي من الفعل ”سأل“ واسم الفاعل منها سائل واسم المفعول منها مسؤول، ومعنى سأل: طلبَ الخبر، والسؤال معروف وله غايات متعددة وأغراض كثيرة منها طلب الفهم والخبر ومنها التوبيخ واللوم والعتاب ومنها التقرير ومنها الإنكار.

أما معناها في الاصطلاح فهو تحمل الشخص نتيجة التزاماته وقراراته واختياراته العلمية من الناحية الإيجابية والسلبية أمام الله في الدرجة الأولى، وأمام ضميره في الدرجة الثانية، وأمام المجتمع في الدرجة الثالثة.

ولا يمكن أن نغفل عن المسؤولية الاجتماعية التي هي الفكرة الساعية لفرض قوانين صارمة على المنظمات؛ كي تمتنع عن التصرفات والأعمال غير الأخلاقية التي تُؤثر بدورها سلبًا على المجتمع، من أجل تحفيز الأعمال الداعمة لرفاهية كافة الأفراد والمجتمعات التي تتواجد بها وتتواصل معها، وبذلك يُطبّق مفهوم المسؤولية الاجتماعية على الجميع، ومن أمثلتها المؤسسات، والأفراد، والحكومات.

وهكذا نجد في قول أمير المؤمنين - - ما يؤطر هذا المعنى ويؤصل له حين قال:

”واعلموا أنكم مسؤولون حتى بقاع الارض وبهائمها“.

فمتى ما استشعر الفرد بمدى التزامه بتأدية الواجبات لمن حوله وقام بها ما استطاع إلى ذلك سبيلًا، تحقق من وراء ذلك المزيد من الراحة والنتاج الإيجابي الذي يعم نفعه الجميع.

فلك أن تتخيل زوج بلا التزام وأمًا مهملة، ومديرًا متهاون، وموظفًا متسيبًا، ومعلمًا مستهترًا، وطالبًا متسيبًا، كيف سيصبح الوضع وتؤول الأمور.

فقد قال عزّ من قائل في محكم كتابه الكريم: ﴿وَأَوْفُوا بِالْعَهْدِ إِنَّ الْعَهْدَ كَانَ مَسْئُولًا [سورة الإسراء: 34]

فلنجعل من كلام سيد ولد آدم النبي الأعظم محمد ﷺ منطلقًا يؤسس لجميع تعاملاتنا وعلاقاتنا مع بعضنا البعض، فكلامه عليه الصلاة والسلام يحوي جوامع الكلم ومنتهى للغايات والمقاصد، إذ قال: ”كلُّكم راعٍ ومسؤولٌ عن رعِيَّتِه والرجلُ راعٍ عن أهلِه ومسؤولٌ عنهم وامرأةُ الرجلِ راعيةٌ على بيتِ زوجِها وهي مسؤولةٌ عنهم وعبدُ الرجلِ راعٍ على مالِ سيِّدِه وهو مسؤولٌ عنه ألا كلُّكم راعٍ وكلُّكم مسؤولٌ“

هناك ألفاظ ذات صلة بالمسؤولية، مثل لفظة التكليف التي تعني البلوغ والعقل، والتي لها ارتباطاً وثيقاً بالتكليف الشرعي حيث إن المسؤولة منوطة بالتكليف فإن وجد التكليف وجدت المسؤولية، وكذلك ضرورة وجود الأهلية التي هي صلاحية الإنسان لاكتساب الحقوق وتحمل الالتزامات، فالمسؤولية لا تكون إلا على من امتلك الأهلية.

نائب رئيس مجلس إدارة جمعية العوامية الخيرية للخدمات الاجتماعية