آخر تحديث: 3 / 3 / 2024م - 1:06 م

الزلازل وعلاقتها بالحدائق والساحات العامة

أمين محمد الصفار * صحيفة مكة

قبل أكثر من عام ونصف قامت وزارة الشؤون البلدية والإسكان بتطبيق كود البناء السعودي، الذي اختصر كثيرا من الجدل الصحي وغير الصحي في آن معا. لم يكن الخلاف على أهميته، إلا أن الجدل كان محتدما حول طرق وآليات التطبيق. كنت من المتابعين لهذا الجدل حينها، وقد استفدت كثيرا في هذا المجال من المرحوم المهندس عباس الشماسي، الذي تحدث وكتب كثيرا حول كود البناء السعودي وآليات تطبيقه.

لكود البناء السعودي أهداف متعددة لا تخفى، والحديث ذو شجون كما يقال، لكن التساؤل والأمل الأبرز لدى الكثير حينها هو: هل تطبيق كود البناء السعودي قادر على القضاء على ظاهرة ما يسمى «فلل الكراتين»؟

اليوم، ومع ما نشهده من توالي سلسلة من الزلازل والهزات الأرضية في مناطق قريبة من منطقتنا، أعادت هذه الزلازل لموضوع كود البناء السعودي وهجه من جديد، وأكد أهميته أيضا، فقد أصبحنا نتحدث عن احتمالات لم تعد بعيدة الحدوث ربما، حمى الله الجميع من كل مكروه.

هذه المقدمة هي للتأكيد على أهمية كود البناء السعودي، إلا أن الاستنتاج الأهم - كما يظهر لنا وشاهدنا عبر الشاشات في الدول التي حدثت فيها زلازل مؤخرا - أن وجود كود بناء هو عامل واحد فقط، وأن هناك عوامل عدة أخرى تتناغم مع بعضها، فلا يمكن الاتكاء على كود البناء فقط وتركه وحيدا، دون بناء منظومة متكاملة من الاحتياطات المزدوجة الاستخدام، تستطيع أن تحقق النتائج المتوخاة.

فوجود المباني المقاومة للزلازل وحدها لا يعتبر كافيا، وإنما هو متطلب أساس وإجراء أولي، يساعد على حماية حياة السكان - في لحظات حرجة - للقيام بخطوات لاحقة. فسلامة المبنى عند وقوع زلزال لا تعني البقاء فيه، بل تعني للساكن ضرورة الاستعداد للخروج السريع من المبنى إلى فضاء آمن، لا أبنية أو أشجارا طويلة فيه.

إن الساحات والحدائق العامة هي متعددة الاستخدامات، سواء في الحالات العادية أو الطارئة. فهي في الحالات العادية - إذا كانت وفق معايير تراعي الكثافة السكانية - تصبح متنفسا للسكان، ورئة وجمالا للمدينة وعنوانا لمستوى التنمية المحلية، وفي الحالات الطارئة تصبح بنية تحتية، وملاذا لمختلف حالات الطوارئ، ومنها - كما رأينا - حالة وقوع الزلازل والكوارث الأخرى.

لقد أصبح المشهد الأهم والتقليدي الذي تعرضه الشاشات في حالة وقوع زلزال مقتصرا على صورة الدمار الذي حل بالمباني من جانب، ومن جانب آخر صور السكان الذين يفترشون الحدائق والساحات العامة، والفضاء المثالي - نسبيا - لجهود عمليات الإنقاذ والإسعاف.

إن وجود الساحات والحدائق العامة ذات المعايير والمواصفات المحددة، يشكل حالة من تكامل الاحتياطات وتناغما للحلول العملية في حالات الطوارئ، فهي تسهل عمليات الدفاع المدني والإسعاف، وكذلك عمل إدارات الكوارث، وقبل هذا هي ملجأ وملاذ طبيعي ومثالي للسكان في حالات الطوارئ وبأقل التكاليف.

في المملكة، وبعد تطبيق كود البناء والجهود التي تبذلها وزارة الشؤون البلدية والإدارات الأخرى المختلفة، لعلنا بحاجة إلى الربط بصيغة ما أو الإلحاق به، معايير تعبر وتحدد وتشرح تناسب مساحات الحدائق والساحات العامة مع عدد سكان المباني والأحياء السكنية، لدينا بعض المدن غير الكبيرة لكنها مزدحمة سكانيا، وهي تشتكي من قلة الحدائق والساحات العامة فيها، وهي بحاجة إلى مراجعة مدى تناسب عدد السكان مع حجم وتوزيع مساحات الحدائق والساحات العامة، سواء في الحالات العادية أو في حالات الطوارئ.