آخر تحديث: 20 / 4 / 2024م - 4:22 م

تأملات صباحية في مزاحمة الممارسات الجماعية

عبد الله أمان

ولَو تصفّحت أَوراقي لَتَقرَأهَا… رَأيتَ تامّلاتِي جُلّ. أَورَاقِي

1. لَعَلّ مِن أَبسَط تَوارُد المَعنى اللّغَوي الحِسّي لمُفردَة ”مُزاحَمَة“ هو: هِمّةُ رُوح المُجَارَاة؛ ونَفرةُ هَبّة المُنَافسَة الذاتيتين، والتسابُق الرائق الواثق، نَحو رَغبةِ تَلبِيةِ اشتِهاء النزُوع الطّوعِي، وبُغية إظهار إطَاعَة الاستِهواء الشّخصِي، في متّسعِ سّاحةِ البَذلِ السخِي، وانفتَاحِ عَرْصَةِ صَعيدِ العطَاء الأَريحي؛ وبتَعبيرٍ دقِيقٍ آخرٍ: هو فِعلٌ وأَداءٌ - مَحسُوسَين مَرئيَين - مُدْرَكَين بذائقة الحَواس، يَتعمّد مُؤدّيهما الشهم اليقّظ - سَعيًا ودَأبًا - إلى عَرْض المُزايَدَة المُتأنّقة؛ وتَقدِيم سَوّية الأُنموذَج المُجتهِد، إرتِجَاءً، في إحرَاز سَنامِ رَيع العمل الأَحسَن؛ وأَمَلًا في تَحقِيق ذُروَةِ مَحصُولِ الأَداءِ الأَمثَل…!

2. وفي أَحْكامِ الفِقه الإِسلامي، هناك بابٌ مُشرّع يُعرَف ”بالتزاحُم“ وباختصار، عِندما يَتوارَد أمرَان عَارِضان مُهمّان، في وقتٍ مُحدّدٍ واحِدٍ، ولكِن أحدَهما أهمّ مِن الآخَر… هُنا يُجِيز الشّرْع المُقدّس وُجُوب وأَفضَلِية تقديم الأمر الأََهَم على المُهِم، تارةً لحِفظِ وصَونِ حَياة النفس المُحترمة؛ وتارةً أُخرى مُتماشِية مُسايِرة؛ لحِفظ الحُقُوق الشخصِية، ومِثلها احترام المَصالِح العامَة؛ طَلبًا مُواظِبًا، في زِيادَة مَكاسِب الأجر؛ وسَعيًا مِلْحَاحًا؛ لتنامِي مَغانِم الثواب الربّانِيين… فَلو عَرَضَ لِشخصٍ مَا أمران مُتزاحِمانِ، في الوقت نفسِه، كالسفَر مِن أجل الاستطباب والعِلاج؛ والسفر المُماثِل مِن أجلِ مُتعةِ الاستِجمام والترفِيه، هنا يُقدّم السفرُ الأَفضَل مِن أجل طَلب العلاج؛ لِمَا فيه مٍن إنقاذ النفس، واسترداد الصحة؛ ونيل نِعمة الشّفاء؛ وحُصُول لِباس العافِية…!

3. وكَثِيرًا مَا يَكُونُ الزحَامُ والتسَارُع الذاتيين في أُمورِ الطاعةِ، والعبادةِ، والتقرّبِ إلى كَنفِ البارئ، عزّ وجلّ؛ وهمّةالسعي الدؤوب إلى أداءِ مَرضَاتِه، بنفسٍ آمنةٍ مُطمنّةٍ… ويَبدو ذلك المَطلبُ جَليًا، في إقامة أركان العِبادة الجماعية، التي تُؤَدَّى جَماعةً، في وَقتٍ مُحدّدٍ وَاحدٍ، كالصلاة اليومية المَكتوبَة، والحجّ الأكبر إلى بيت الله الحرام، المؤيّدين بالنصُوصِ القرآنيةِ، وتفصِيلٍ مِن السّنة النبوية الشريفة… إضافةً إلى حَثيثِ مَساعِي التسارُع؛ مُثابرَات التعجّل المَحمودَين، في أداء الخيرات؛ ونُصرَةِ الحقّ؛ وطَلبِ العِلم؛ وكَسبِ الرّزق؛ والنفرةِ الثابتة الجماعية الموحّدة، إلى القتال في سبيل الله، ونصرة دِينه… قال تعالى: «وَسَارِعُوا إِلى مَغْفِرَةٍ مِّن رَّبِّكُم وجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّمَاوَاتُ وَالأَرْضُ أُعِدَّت لَلمُتَّقِينَ» * وأَحيانًا تَكُون شِدّة التزاحم، وهَرولَة التنافُس، ونزعَة التسارع - على قَدمٍ وسَاقٍ - في جُملة أمُورٍ دُنيويةٍ حَقيرةٍ مُبتذلةٍ… وفيها يقول الحقّ، تبارَك وتَعالَى: «وَتَرَى كَثِيرًا مِّنْهُم يُسَارِعُونَ فِي الإِِثمِ والعُدوَانِ وأَكلِهِمُ السُّحْتَ لَبِئسَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ» *

4. ولِلحيوَانِ الأَعجَم، كَما للإنسانِ الناطِق، كِفلٌ وافٍ في هِمّة تزاحمِه النشِط؛ ونفرتِه الجماعية، في مَهامّ السعي الدؤوب في حَركةِ البحث الراتِب عَن قُوتِه، واصطِياد فَرِيستِه، وذلك مَا يُشاهَدُ وَثائقيًا في - قنوات التواصل الاجتماعي - تنظيم الصيد عند قُطعان الحيوانات البرِية المُفترِسة، حَيث تخرجُ جَائعةً طَاويةً، في أُسَرٍ مُركّبةٍ، أوقَطيعٍ مُوحّدٍ: كالأُسُود والضّبَاع… مُستفِيدةً مِن مَبدأ ”البقاء للأَقوَى“... وفي الجانِب الآخر، تُدرِك أصغر جُموع المخلوقات الربانية، كالنمل والنحل؛ تَراهَا تَسعَى، صَابرةً جُاهدةً، في مَواكب جَماعاتٍ مُنظَمةٍ، وصُفوفِ أَفواجٍ مُنتظِمةٍ؛ للبحث الجَاد في جَمع الغذاء، وبِناءِ المَساكِن، وفي مَهامٍ حَيوِية أُخرى، مُتآزِرة مُتعاونةٍ، وكأنّهم أفراد أُسرة وَاحدة، تَسودُها الأُلفة، وتَجمعُها وِحْدَة هدفٍ مُشتركٍ وَاحدٍ... ولله في سَائرِ خَلقهِ شؤون.

5. ولَعلَّ مِن أَحقَر ومُستصغَر؛ وأَرذَل وأَنذَل نَوبات وهَبّات مَساعِي التزاحم الساقِط، النابت في شَفا حَضِيضِ دُنيا آثام الرذِيلة الشّائنة المُخزية؛ والمَوصُوفون عُبّادُها باللّعن والطّرد المُغلّظ مِن رَحمةِ رَبّ العالمين؛ والمَوعُودن أنفسُهم، بعذابِ الآخرةِ المُبشّر؛ لانغماسِهم في مَغبّة الشّرك بالله الواحَد الأحَد، والتمادِي المُتَشدّد في نَفيِ وقَتلِ أنبياء الله المُرسلين؛ وإِزهاقِ وتَصفيةِ الأَرواحِ البريئةِ المُحترّمةِ، بغير الحقّ… تلك القَوائم مِن أصنافِ أبشعِ الجرائم ضِد مَضاجِع الإنسانية، بهمجِيةِ أشكالها، الشنيعَة المُروّعَة، لَا يَغفَرُها الله تعالى؛ ولا يَنظُر إلى أحدٍ مِن مُقترِفِيها، مُنذ بَدءِ الخليقةِ، مِن سُلالةِ نبي الله آدم، عليه وعلى نَبيّنا الكريم، وآله الأَطياب، وأصحابه الأَخيار، أفضل الصلاة، وأتمّ التسليم؛ وإلى يوم يُبعثون: «فَلَا تَحْسَبَنَّ اللهَ مُخلِفَ وَعْدِهِ وَرُسُولَهُ إِنَّ اللهّ عَزِيزٌ ذُو انتقام».*

6. وهُناك تَنامٍ مِن زَخمٍ مُتفاقمٍ مِن صَرْعات التزاحم والتدافع الهَوجَاء، التي سَمِعنا بها في بعض المَحافِل، العادات المُمارسَة، في عددٍ مِن الدول المُختلِفة؛ والتي سَقط على إثرِها عددٌ مِن الضحايا الأبرياء، كَمُخلّفات الركض الجَماعي الطائش مِن أمام هَجمةِ الثيران الهائجة، في إسبانيا؛ ومِثلها حَادِثة ضَحايا التزاحم والتدافع، الذي حَدثث في مدينة سِيُول، عاصمة كُوريا الجنوبية، في حَادثة التجمّع الأليمة، في حَي إتيوان الترفيهي، الذي وقع في أمسية يوم التاسع والعشرين مَن شهر أكتوبر 2022، في حَفل ”الهالوين“ الصاخب، والتي رَاحَ ضحيتها أكثر مِن «153» قتيلًا، مَعظمهم في مَرحلةِ الشباب… وإذا كانت الأمور العَقَدِية، ومِثلها جَذْبُ النزعة الروحَانية؛ وبَسْطُ المُتعة الترفيهية؛ وشدّ الرغبة الترويحية، مَنهجًا ومَسلكًا لَا بُدّ مِن إشباعِها، جُملة وتفصِيلًا، في مَغبّة المُمَارسَات الحَسَنة المنشودة في كِيان حَياة الشعوب، فَلا ضَيْرَ، ولَا مَفَرّ مِن احترامِها؛ وأدائها بتَثبّتٍ وعَقلانيةٍ، تسدّدُها نَفحَاتُ راقيةٌ مَن هَمس نبضِ ”الرّوحانِية“ المنشودة، بزخمها المتّقِد، عند صَرْعَة المُحْتَفِلِين؛ وتُظلّلُها رُوحُ العَقلانِية المَتيقّظة، في حِفظ وصَون كَرامة النّفْس البشرِية؛ وحِمايتِها مِن قَساوَة الفتكِ الجماعِي العارِض الساحِق؛ وصونها مِن بَطشِ التصفِية الجسدِية الحَاطِمة المَاحِقة، بسيلِ هَادرٍ مِن طوفانٍ هَمجِيٍ غَوغائيٍ، مِن جَحِيم صَرعَاتٍ آدميةٍ مُمِيتة مِن الانفعالات الشبابية الحَمقَاء؛ والمُسَاقَة بفَيَضانٍ عَاطفيٍ وَقْتيٍ مِن أقسَى شَدائِد الاندفاعات البَربَرية، عند تلك الفئة الشبابية*.

7. ومَن شَدائدِ قَفْلِ الزحَام المَشهُود، في يَومِ الحَشر المَوعُود؛ ونَفرةِ حُشُود الكَثرة الكَاثِرة مِن جَمهَرة البَشر؛ بنَهضتِهم الجَماعيةٍ العارمةٍ؛ وخروجِهم المُؤكّد مِن رَقدَة الأجدَاث المُتشقّقَة، وكأنّهم أسرابٌ كثيفةٌ مِن حُشودِ الجَراد التائه المُنتشِر، في آفاق عَنان سَماء الدنيا؛ يَتبَع عَظمَة ذلك المَشهد الجلِيل المَشهود: تَمَوُّر السماء؛ واجتماع الشمس والقمر؛ ونفخَة الصُّور؛ وتَطايُر الصّحُف؛ وساعة البعث؛ وذُهُول المَرضِعات عَمّا أرضَعن؛ وفِرار المرءِ مِن أَخِيه، وأُمِّه وأَبِيه… في يومِ الدِّين؛ يوم لَا ينفعُ فيه مَالٌا ولَا بَنُون، إِلّا مَن أتَى اللهَ بقلبٍ سَليمٍ… وهُنالك - في تَجِلّة ومَهابَة ذلك الموقِف العظيم - يُعطَى سِجَلُّ أصْدَقُّ الكتب - في مُتناوَل المَيامِن والمَياسِر - وتّعَدّ أدَقُّ المَوازِين الربانية، التي لَا تَشوبُها شَائبة؛ ولَا تَنقُصها عَائبة… وأَمرُنا المَصِيري؛ ومَردُّنا الحَتمِي جَميعًا، أمام يَدي الرحمةِ الراحِمة، والمغفِرة الواسِعة، لدَى تَجِلَّة مَولَانا الكريم؛ وفي رَحِيب كَنفِ خَالِقنا العظيم؛ هُو نِعمَ المَولَى، ونِعمَ النصِير… «رَبَّنَا لَا تُزِغ قُلوبَنَا بَعدَ إِذْ هَدَيتَنَا وَهَب لَنَا مِن لَّدُنكَ رَحمةً إِنَّكَ أَنتَ الوَهَّابُ».

* سُورَةُ آلِ عِمرَان- آية 133
* سُورَةُ المَائِدةِ- آية 62
* سَورَةُ إِبرَاهِيمَ- آية 47
* يوتيوب- قناةُ العربية الفضائية
* سُورَةُ آلِ عِمرَان- آية 8