آخر تحديث: 4 / 3 / 2024م - 11:42 م

ثم أُنسَى..

فاطمة عبد الله الدبيس

ثم أُنسَى..

(كأني لم أكُن)!
شفتايَ اليابستانِ مقبرتانِ مُعلَّقَتانِ على الأفُق...
تنتحِبُ فيهما الجثثُ بدمعٍ حَيٍ ثم يتخَشَّبُ مثل لوحة..
كلما ارتعشَ الموتى في قيامةِ الحنينِ تثاءَبَتْ ملامحي ثم رقَدَتْ في بحّةِ صوتي..
ربما وُئِدْتُ قبل أن أُولَدَ فانتصفْتُ بين الحياةِ والموت..
ربما انقطعَ الحبلُ السريُ في رحمِ أمي فبقيتُ عالقةً في الهيولى
ربما ضَلَّ المَلَكُ المُوكّلُ بنفخِ الروحِ فِيَّ..
ونفخَ روحَهُ في مومياء نازحةٍ من لعنةِ الصمتِ فحلَّتْ بي..
ثم ارتَدَتْ جسدي وتقمّصَتْ ملامِحي وأتقنَتْ ببراعةٍ دورَها ودوري..
ربّما بقيتُ وحدي على خشبةِ المسرحِ الأخيرِ بعدَ الوطن.. أنتظِرُ من لحظتي المنتحرةِ أن تنفثَ روحَها في غيبوبة الوقت
حتى تفاجئَني بكفٍ تمرّرُ حروفَها على حنجرتي قبل أن يشلّها سكوتُك..
قبل أن يبترَ الشوقُ قلبي ويقذفَهُ في الجحيم..
قبل أن تعدمني التراجيديا ثم تؤمّ جنازتي..
قبل أن أتوهَ في غابةِ الموتِ حتى أُنسى....
كأني لم أكُــــــن!


لم يعُدْ كبريائي كافيًا..
أنا التي أقسمتُ أن أصلبَ الشوقَ على جذعِ النسيانِ ثم أنتبِذَ عنهُ مكانًا قصِيّا..
تربِكُنِي الآنَ نكهةُ قهوةٍ تركيةٍ مرَّتْ على شفةِ اللقاءِ ثمّ سافرَتْ بصوتِ الكمانِ حولَ طاولاتِ المقهى..
الفراشاتُ التي تحترقُ في الضوء..
أغنياتُ فيروزَ تحتَ المطر..
ترنُّحُ السكارى في الشوارعِ العامة..
الباعةُ المتجولونَ وهم يقايضونَ الضجيجَ بالورد..
الأذرعُ المتشابكة..
الأرصفةُ المكتضّةُ بالقُبَل..
الضحكاتُ الممزوجةُ بالبكاء..
الخطواتُ الشاردةُ إلى الّلامكان...
الإسفلتُ الممتدُّ لما بعدَ النهاية..
أوركسترا الإوزات..
صوتُ محمود درويش وهو ينتحبُ عبْرَ الأثيرِ في سيارتِك: (تُنسى كأنكَ لم تكن)!
تُنســــــــى.......... وتبقى القشعريرةُ عالقة في الصدى..!


لا مفرّ الآن منك..
التفاصيلُ تتوحّشُ على جسدي وتبالغُ في نهشي..
وكفي التي كانت تغرقُ في كفكَ الكبيرةِ تلتصِقُ بالظلِّ البنفسجيِّ الموازي لانعكاسكَ بي..
كيف أطفو على سطحِ اللحظةِ الآن..
وأدَعُ الذكريات مترسبة في القاع؟؟؟
كيف أجدّف لليابسةِ وحدي ويدي قطعُ (بازل) متناثرة؟؟
كيف أدركُ الشطَّ وعيني عرسٌ من الدموع؟؟؟
كيف أصلحُ في روحيَ العطب.. وفي جسدي الدمار؟؟؟
كيف أنسربُ من ذاكرتي المتغضنةِ حتى أشهد انعتاقة الفواصل من صفحةِ الشوق المُتَسيِّد..
كي تزحفَ للهوامشِ نقطةٌ محنّطة
مثل نبتةِ صبّارٍ في تربةِ روحٍ خائرة
تهدهِدُ هراءَها بأيدٍ تهدّلَ شوكُها
تُطَوِّعُ وجهَها رغمَ انتفاضاتِ ملامِحِها
تقتبسُ من ثآليلِ جسدِها شكلَ موتِها
مثلَ نبتةِ صبار.. أتأبّدُ في الغربة
أتقَولَبُ في الجرح
أتغلغلُ في اليباس
هكذا أطلّ من قعرِ هزائمي على العالم..
امرأةٌ تمارِسُ انزياحَها الكونِيِّ من حقولِ الفراغِ إلى الفراغ..
حتى تنتصبَ سنابلي بشموخِ فكرةٍ وجودية..
تُقلِّبُ طرفَها في الخواءِ وتصرخ..
وطنٌ.. وطنٌ.. وطنْ !


لا شيء....
أنا السرابُ الموغلُ في عدمِه
أنا الصرخةُ الخالية من صوتها
أنا الدمعةُ الناشزة على مائِها
أنا الخوفُ العاري من انفعاله
أنا الجحيمُ المُنفَلِتُ من شرارتِه
أمارِسُ هوايةَ الهروبِ من هذا العُمرِ/ اللاّعُمر
أدخُلُ بيتَ النهاياتِ المفتوحةِ للنصوصِ الطويلةِ التي لا يقرأها أحد...
وأغلقُ البابَ ورائي...


جُرحيَ الواسعُ اتساعَ سريرٍ من شوك..
أنامُ وسطَهُ الآن..
ألتحفُ شالَ الكوابيس..
أنسفِحُ في اللعنة..
أعَلِّلُ العلةَ بالعلّة..
والصرخةَ بالصرخة..
والوخزةَ بالوخزة..
والطعنةَ بالطعنة..
لألهو بلعبةِ الموت قبل خلقِها..
ويبارك جثّتي أنوبيس...
جثّتي التي تُنسى..
وأُنســــــــى..
كأني لم أكُــــــن!