آخر تحديث: 14 / 6 / 2024م - 6:32 م

القطيف ووسام الولاء

علي مكي الشيخ

القطيف، هجَر، البحرين.. والتي تنتمي لقبيلة عبد القيس، مازالت تؤكد على نقاء الفطرة وعمق الولاء وتنقش بصمات المحبة والألق على جبين الزمن..

ماتزال شامخة منذ مطلع البعثة النبوية وفجر الرسالة.. لهذا خلدتها الأحاديث وأعلى شأنها رسول الجمال والسماء في كثير من المواطن.، التي تعبّرُ عن مدى عمق هذه المنطقة حبًا وجمالا وإبداع. ولعل أول إشارة منه ﷺ، في بيان مكانة هذه الأرض قوله:

”أُوحيَ إليَّ أيَّ هؤلاءِ الثلاث نزلتَ فهي دارُ هجرتك، المدينة، أو البحرين، أو قنّسرين“ الحاكم في المستدرك.

وفي موضعٍ آخر أشار لأصحابه لوفد عبد القيس القادمين عليه:

”سيطلع عليكم من هاهنا ركبٌ هم خير أهل المشرق..“

ولما قدموا رحّب بهم قائلا:

”مرحبا بالقوم لا خزايا ولا ندامى“

ودعا لهم ”اللهم اغفرْ لعبد القيس“

وأوصى بهم الأنصار خيرا فقال:

”يا معشر الأنصار أكرموا إخوانكم، فإنهم أشبه الناس بكم في الإسلام.. أسلموا طائعين غير مكروهين ولا موتورين..“

ودخل وفد عبد القيس فأسلموا، عادوا للإقليم، ودخلت المنطقة في الإسلام.

أما تشيع المنطقة فقد كان مع دخول الإسلام تماما، ويعلل أكثر من مؤرخ لذلك ومنهم الأستاذ عبد الخالق الجنبي بقوله:

”وتعودُ أهمُ أسبابِ التشيعِ المبكر أو التوجه الولائي لأهل البيت لدى قبائل ربيعة عامة، وعبد القيس خاصة في إقليم البحرين القديم إلى أنّ أكثرهم كان معتنقًا الديانة المسيحية قبل الإسلام.. وكان يجاورهم من يعتنقُ اليهودية وكلا الديانتين كان لديها معتقد الوصي... ففي الديانة اليهودية يوجد يوشع الذي قال اليهود أنّ موسى قد نصّبه وصيًّا من بعده على بني إسرائيل لإكمال رحلتهم إلى بيت المقدس

وفي الديانة المسيحية كان هناك الحواري ن الاثناعشر الذين أوصى إليهم عيسى بعده أن يكملوا مسيرته..“

ومن ذلك فإن معتنقي هاتين الديانتين في إقليم البحرين القديم قد تشبّعوا بمصطلح الوصاية أو الولاية العامة، فلم يكن بستغرب منهم أن يسألوا الرسول ﷺ عن الوصي بعده، وأن الأئمة الإثني عشر المنصبين لخلافته كما هو مضمون الرواية التي ذكرها العالم الشيعي أحمد عيّاش الجوهري «ت401» في كتابه ”مقتضب الأثر“

ولعل هذا ما أشار إليه السيد الحميري في قصيدته المشهورة

لأمِّ عمروٍ باللوى مربعُ *** طامسةٌ أعلمها بلقعُ

ومنها

عجبتُ من قومٍ أتوا أحمدًا. *** بخطةٍ ليس لها موضعُ

قالوا له لوشئت أعلمتنا. *** إلى منْ الغايةُ والمفزعُ

إذا توفيتَ وفارقتنا.. *** وفيهم في الملكِ منْ يطمعُ

*راجع كتاب.. عند سدرة المنتهى ص17 مؤسسة إحياء التراث

**الشعر ودوره في تكوين الهوية والمذهب

كان وما يزال للشعر دوره الريدي في إضفاء الجمال وتثبيت المعقد ونشر الوعي المعرفي للإسلام المحمدي بكلّ مراحله..

فنقرأُ كلام الإمام الصادق :

”علموا أولادكم شعر العبدي فإنه على دين الله“

لهذا نهض الشعر بأدواره لعدة أسباب:

أولا.. تشجيع وحضُّ الأئمة الشعراءَ على كتابة وممارسة الشعر فيهم.

قال الإمام الصادق للشاعر عبد الله بن غالب ذات يوم وقد أنشده شعرًا:

”إنّ ملكًا يلقي الشعرَ عليك، وإني لأعرفُ ذلك الملك“

ثانيا.. نقد وتوجيه الشعراء والاعتناء بهم

فحين نقف عند حادثة السيد الحميري مع الشاعر جعفر بن عثمان الطائي حين قال مخاطبا آل البيت:

مابال بيتكمُ يُخرّبُ سقفُهُ

وثيابكم من أرذلِ الأثوابِ

عندها خرج السيد الحميري من المجلس مغضبا وحين سأله جعفر بن عفان: ماذا أنكرت من ذلك!؟

فقال له السيد: ”إذا لم تحسن المدح فاسكتْ، أتوصف آل محمد بمثل هذا!!“

وبمثل هذه المواقف جعلت الشعر الولائي أمينا نقيا ومتينا لحمل المفاهيم الولائية خالصة وعالية المضامين.

الشعر العلوي ارتقاءٌ ووهج..

عبر العصور المتتابعة شهد الشعر العلوي تطورا ملحوظا من خلال تنامي فنيات القصيدة بالاشتغال الفني للنصوص.

إذا تعدينا الشكلانية وصولا إلى الرؤيوية والدخول لمديات الموضوعية رغم انطلاق النصوص الولائية الأولى من استراتيجيات نفعية بحتة إلى تماهي الشعراء بالمعصومين حيث درجات الفناء بالمعشوق تصل إلى الذروة.

فمن المدح والوصف الروائي والتاريخي إلى محاولة المحاورة مع المعصوم والوصول بالنص إلى ارتشاف لطفٍ خفيٍّ من القدرة الربانية والدفقة الروحانية..

فمن مراحل الكتابة التي حاولت تطوير القصيدة قول الشاعر الشيخ علي الفرج القديحي:

وكتبتَ قصتك التي نقشتْ على

جيد الحياة فأبدع النحاتُ

قد وقَّع الرحمنُ تحت سطورها

أنّ الخلودَ لمثلِ ذاتك ذاتُ

وصولًا بالوعي الكتابي إلى فضاءات مفتوحة.. تجعل من الذات شريكة في صناعة الجمال المعصومي

يقول أحد شعراء الأمير:

حرًا أحبُّ كما أشاءُ وإنني

بكاءُ حبك يا عليُّ مزمّلُ

ويردفه آخر بقوله:

في الغيبِ طيني تلاواتٌ مؤجلةٌ

وسمرةُ العشقِ وسط الطين مودعةُ

وأخيرا

وضوحٌ. كهذا بايع الماءُ وحيه

فأنسن قطر الغيم في الأفقِ جبَّهُ

كلمة لجنة التحكيم في مسابقة الأمير بالقديح في نسختها الثانية لعام 1444 هج.