آخر تحديث: 23 / 5 / 2024م - 8:45 م

في مديح البساطة

أثير السادة * صحيفة الوطن

تسهم مواقع التواصل الاجتماعي بشكل أو بآخر في تعميق مظاهر الاستهلاك الترفي في المجتمع، من خلال الدفع تجاه نمذجة حياة الأفراد وسلوكهم وفق قوالب المشاهير، الذي يتخذون من منصات التواصل مساحة للتأثير والتسويق، ومن خلال الممارسات التي تؤسس لسلوكيات جماعية مشتركة، حيث الصورة تمارس إغواءها للكثيرين، وهي تبالغ في زخرفة حياة أولئك المشاهير، وجعلهم نماذج للاتباع في أنماط الاستهلاك.

هذه المظاهر أسهمت في اختراق المزاج الثقافي والاجتماعي للناس عمومًا، والشباب خصوصًا، وأصبحت مسألة المسايرة مع الصور المقترحة لتقديم الذات سببًا في تحريض الكثيرين للمبالغة في التأنق، والتكلف فيما يستهلكون من أشياء، وهي أشياء تحضر بتوجيه من القلق الذي ينمو لدى كل واحد من المشاركين في فضاءات التواصل في أن يكون ضمن طبقة اجتماعية أدنى ولو على مستوى الافتراضي.

هذا التنافس باتجاه تقديم حالة من حالات الرفاهية بصريًا، لا يخلو من كلفة اجتماعية واقتصادية ونفسية، فهي بسعيها لتجاوز الفوارق المادية والتركيز على المظاهر الاستعراضية، قد تضحي باستقرارها المادي وهواجسها الادخارية، وقد تتجاهل الأساسيات لأجل الكماليات، من أجل بلوغ مستوى معيشي متخيل غالبًا، أي إن الكثير من الأفراد سيعيشون ضمن دوامة من الصراع الداخلي، بين قيم الحياة التي يعيشونها، وقيم الفضاءات الإلكترونية التي تمجد الاستعراض على أي شيء آخر.

هي منصات تبيع الوهم وهي تسوق للسعادة من نوافذ الإعلانات والترويج للحياة التي لا تكون كاملة إلا بالملبس والمأكل والمشرب باهظ الثمن، منصات تنسينا القيمة الحقيقة للسعادة بما نملك، وتدفعنا للركض باتجاه إتلاف طمأنينتنا، من خلال البحث المستمر عما يهبنا الرضا عن ذاتنا، لكن بمقاييس الآخرين، إلى الحد الذي يصبح الواحد منا على حافة الاكتئاب لعدم قدرته على تحقيق الانسجام الداخلي لشدة استيحاشه وعجزه عن مشاكلة النماذج المقترحة للكائن السعيد!.

كم نحن بحاجة إلى مبادرات تسلط الضوء على مخاطر هذه السلوكيات التفاخرية، وتكاليفها النفسية والاجتماعية والاقتصادية، بشكل فني وأدبي، تذكرهم بالتناقضات التي تحملها هذه السلوكيات، وبالقيمة الحقيقة للإنسان، بعيدًا عن ضغوط الأنماط الاستهلاكية، فغالي الثمن لا يهب الشخص قيمة اجتماعية عالية، والمنتجات الرخيصة لا تضع من قدره، وأن التدافع الثقافي والعلمي هو السلعة الوحيدة التي تهب صاحبها قيمة حقيقية.

مبادرات تقف في وجه موجات الاستهلاك التفاخري التي تساهم في خلخلة الشعور بالثقة عند الجيل الشاب، وتقلب سلم القيم الإيجابية لديه، كما ترفع من قيمة الجانب المظهري من حياة الناس، وتفقدنا شيئًا فشيئًا التلذذ ببساطة الأشياء، فمنصات التواصل أسهمت في الإخلال في توازننا، بسرقتها لسلامنا الداخلي وهي تدفع بنا في بحر المقارنات، ما عندنا وما عند الآخرين، وكأننا بين نارين: محاكاة الآخرين، أو البقاء في دائرة الإحباط.

البساطة المقصودة هنا ليست السذاجة، بل هي الحياة في جريانها الخالي من التعقيد، والإنسان في حضوره العفوي، هي العيش بنحو طبيعي بلا تكلف، وبلا ركض نحو الأضواء. هذا الركض الذي تدفع إليه تطبيقات ومواقع التواصل الاجتماعي.

أن تكون بسيطًا كجوال نوكيا قديم، يسع الأسماء، ويهب الاتصال، ولا يخرجك من قاموس الحياة الطبيعية. أن تكون حرًا في علاقتك مع الأشياء من حولك، ألا تحتاج إلى مشابهة الآخرين في سلوكهم الاستهلاكي، الاستعراضي، أن تملك الرضا بما تملك، وتشعر بالمتعة بكل لحظة تحياها.

هي إذن البساطة في القول، والتعبير، والحضور، أن تكون ذاتك بلا مكياج، ولا ديباجات شعرية، أن يشع الجمال من داخلك لا من رنين عبارات غيرك، لتتألق ككائن حي لا كائنا تصنعه آلة السوق، والبساطة أيضًا تعني أن نكون أصحاب نوايا صافية كصفاء الماء، نساعد، ونشارك، ونمارس الأفعال الحسنة ليس طمعًا في نظرات الآخرين وحروفهم.