آخر تحديث: 26 / 5 / 2024م - 7:45 ص

الخبز الساخن.. كل واشكر الله!

المهندس هلال حسن الوحيد *

أمطار خفيفة فجر اليوم الخميس، السادس والعشرين من يناير. مهمة إحضار الخبز قبل خمسين سنة كان فيها شيء من المشقة؛ المشي في الطرقات المبللة وابتلال الخبز بالمطر! في سنوات طفولتنا لم يكن سوى نفر قليل من الخبازين في جزيرة تاروت، يمارسون مهنتهم فجرًا حتى الضحى، ومن ثم قبيل غروب الشمس يعمل بعضهم أنواعًا من الخبز المحلى أو الكعك. في خارج هذه الساعات يكون الخبز شحيحًا. أستمر الحال إلى حين توفرت المخابز الحديثة.

طقس رائع اليوم لإفطارِ العائلة كلها! كان الإفطار آنذاك فرصة لقاء واجتماع العائلة كلها، مثل الغداء والعشاء. الكل يجتمع ولو دقائق يحصل على نصيب متساوٍ من الوجبة. ماذا عن الآن؟!

أغلب أهل ذلك الجيل، يتذكر حلاوة طعم الخبز وعبق رائحته! لا يبقى شيئ من الخبز ولو استطاع النّاس التهام رائحة الخبز لفعلوا. قارن بين تلك الآونة واليوم! الخبز وافر والطعم جيّد - الحمد لله رب العالمين - مع ذلك فقدنا حاسة الشمّ والذوق عندما نتقابل مع الخبزة. كانت تهزم كل حواسنا بالضربة القاضية! وتفوز في كل جولة، الآن نهملهَا ونكومهَا حتى تذبل وتنتهي صلاحيتها، وفي حالات كثيرة تنتهي طعامًا لغير الآدميين!

تشتهي وجبة صغيرة - قطعة لحم - من خارج المنزل يعطونك خبزًا أكثر مما تأكل، وجبة إفطار مع أصدقاء، الخبز أوفر من الحاجة! وليمة زواج، الخبز كثير! أسوأ وأضرّ شيء على الإنسان هو الجوع والحرمان الذي يعطل فكره وعقله. والله يدعو للاستمتاع بنعمه الوافرة، بلذتها وبطعمها، والاعتدال خير الطرفين! لا خبزة واحدة وكوب واحد من الحليب مثلما كان في ذلك الزمان ولا الوفرة التي تذهب باللذة وتميت الشهية.

ملايين من الناس يتقاتلون من أجل الخبزة التي تبقى على سفرة طعامنا دون أكل، والهدر في الخبز - بالذات - يتنافى مع حسن التدبير واحترام النعمة. عن الفضل بن يونس قال: تغدى عندي أبو الحسن فجيء بقصعة وتحتها خبز، فقال: ”أكرموا الخبز أن لا يكون تحتها“، وقال لي: ”مر الغلامَ أن يخرج الرغيفَ من تحت القصعة“.

الرسالة هي: القليل من الأطعمة لها مذاق ورائحة الخبز الحارّ الذي للتو غادر الموقد! خذوا منه ما تأكلون ودعوا ما لا تحتاجون. فإذا صار كثيرًا وافرًا لم يحترم! يكفي الخبز معاناة أن دخل النار من أجل بطوننا.

وإن كان الخبز واحدًا من أكبر النعم، إلا أنّ كل النعم كبيرة وتحترم، فإذا النعم ذهبت عن قوم عزّ رجوعها كما كانت! في بعض المجتمعات الحريصة على النعمة يشترون حبةً واحدة من الفاكهة وما يأكلونه من الخبز لا غير!

مستشار أعلى هندسة بترول