آخر تحديث: 14 / 4 / 2024م - 8:26 م

رقص الرجال

حسين السنونة *

ما أجمل لحظات الانتظار، وخاصة حينما ننتظر شيئًا مبهجًا وسط قرية ساكنة تغوص في بحر عميق من الصمت والخرس السرمدي الملول. أتذكر تتابع الأيام في شوارع قريتي الكئيبة بوجهها الشاحب وقلبها المكلوم، كأنما مرّت عليها عربات جلادين. الطرقات أراها وقد شاخت تحت أقدام البشر، مفعمة بروائح الأجساد التي أنهكت كثيرًا بفعل الملل ورتابة التكرار الخانقة. هنا شاهدت العناق الأول بين الجبل والبحر، شاهدت ارتطام الصباحات ببعضها كالنيازك، ورأيت ميلاد الأبديّة المعذبة بالسكون، بينما الأهل غارقون في نهر نومهم الكهفي الذي تفيض على جوانبه أحلامهم الساذجة ومشاجراتهم التي تبدو في اندفاعها الأرعن وتهورها الحزين كأنما هي قادمة من خلف جبال العقل والوعي.

وسط هذه الرتابة وملل التكرار والسكون كانت من أجمل الليالي بالنسبة لي تلك الليالي التي يكون فيها احتفال بزواج أحد أبناء جزيرتي ”تاروت“، وخاصة لدى العوائل التي وضعها المادي فوق الجيد، إذ يكون الأكل لمدة ثلاثة أيام، وفي الصباح يكون الفطور خبزًا وقطعة من الحلوى البحرينية اللذيذة.

في إحدى الليالي كان حفل زواج ”هادي بن الجاري“ وكان هذا الحفل يبعُد قليلًا عن الحي الذي أعيش فيه، ولكني أصررت مع ذلك على أن أذهب أنا وبعض الأصدقاء العاشقين للأكل وحضور هذه المناسبة السعيدة، فقد كنا نحب رؤية مثل هذه الاحتفالات ولو من بعيد، وخاصة إذا كانت بها حفلات غنائية.

كان يحضر بعض المغنين من أماكن خارج الجزيرة ويؤدون أغاني شعبية ورقصات يطلقون عليها شعبية، يكون عددهم كبيرًا بين من يدق الطبول والعود ويرقص ويجهز الطبول الاحتياطية التي تُحَمَّى على نار هادئة، ولكني حينها لم أكن أعرف سببًا لذلك.

كان منظرًا جميلًا؛ أغانٍ لا أفهم منها شيئًا، ولكني مع ذلك أرى اندماج الحاضرين معها، وخاصة من يجلسون في الدائرة ويصفقون بقوة مع هزات للرأس والجسد، والقيام وسط الدائرة وأداء بعض الرقصات التي كانت بين اثنين أو أربعة أو ستة، وفي بعض الأحيان كان الكل يقوم ويرقص وكأن هذه الرقصات تحكي قصة عاشق وعاشقة أو عاشق فقد معشوقته.

كانت الكثير من الكلمات تتكرر في الأغاني؛ القلب، القُبلة، النوم، الليل، السهر، البحث، الهيام، الفقد، الطير، العين، الأنف، وحسب كلام أحد الأصدقاء ممن كانوا معي، فإن بعض الأغاني كانت في الأصل عراقية ويمنية وحجازية.

من بين الذين يغنون كان هناك رجل اسمه حاتم، له صوت جبلي يأسرك، وجهه دائري، مربوع الجسد، شعر أسود طويل، يتحرك في كثير من الأحيان وكأنك أمام موجات مائية، مبتسم دائمًا، ومع الجميع، فهو نجم المناسبات الغنائية.

يؤدي الكثير من الأدوار؛ الغناء، وكتابة الشعر الغنائي، والرقص، والعزف على العواد أو ضرب الطبلة، وحتى ترتيب إيقاع المجموعة الغنائية. ورغم حضور نصف الجزيرة والاستمتاع بصوته والكلمات التي يرددها، فإنه لا يحظى بالاحترام، كون الغناء والرقص والكلمات ليست من العادات والتقاليد والإسلام، كما يقول الآباء والأمهات والأجداد، إذ يكررون ذلك أمامنا باعتباره نوعًا من التحذير يحول دون حضور أو حتى المرور بمثل هذه الموبقات، لدرجة أننا كنا نجلس بعيدًا حتى لا يرانا أحد، ويوصل الخبر للعائلة ونتهم بقلة الأدب ومخالفة الشرع، وهو ما كان يؤثر على سمعة العائلة لدى باقي العوائل، ولربما يصل إلى سمعتك عندما تريد الزواج.

صوت حاتم كان يجبرك على حضور المناسبات، حتى إنك كنت تسمع صوته الجبلي فتشعر وكأنك تسمع صوتًا عراقيًّا ممزوجًا برائحة بحر جزيرة عشتار. هو صوت تخاله حين يطرق أبواب سمعك، مطرًا صافيًا رائقًا ينزل عليك في صحراء قاحلة تصغي فيها لثغاء الماعز والطيور المهاجرة التي دمّرها التعبُ فانسكب فيها ذلك المطر غزيرًا، مدرارًا، كريمًا، يروي حياض الصحراء العطشى. إنه صوت شجي تخاله من فرط سحره الأسطوري حنينًا يتفجَّر مع ضربات البرق العاصف، حيث الصواعقَ تقصف الطرقات. إنه صوت ملائكي شيطاني في الآن ذاته، يجعلك تتسلق ظلال الطفولة، حيث الردهة المظلمة المتخمة بعفاريت المنازل القديمة.

وجه حاتم يعطيك ألوانًا من السعادة والصدق وهو يغني، وكأنه نسي أن هناك في العالم آخرين. ذات مرة ركَّزت في وجهه فإذا بي أرى دمعات عينيه تنحدر من مآقيه حارة صادقة كشلال من المطر المنسال على سفح جبل، تغسل خديه السمراوين.

كثيرًا ما كنا نسرق الوقت واللحظات ونكذب على الأهل أننا لن نذهب بعد تحذيرهم لنا، إلا أننا ننجر صوب الحفلات الغنائية، وخاصة أن صوت حاتم كان جميلًا يأخذك بعيدًا، كلمات تتفاعل معها رغم أننا كنا صغارًا، وخاصة تلك التي تتكلم عن الحب، والحبيبة، أو وهو يمد كلمة ”يا ليل“ أو ”آه“.

تسارعت سنوات الطفولة وبلغنا العشرين، وعشنا أحداثًا جسامًا من اقتحام الحرم المكي، إلى غزو السوفييت لأفغانستان، وحتى الثورة الإيرانية، التي كان لها تأثير كبير على جزيرة عشتار ومن فيها، حيث تبدَّلت الصور وكثرت الأحاديث عن الحلال والحرام، والموت، والنار، والجنة، والتدين والمساجد وكثرت المناسبات الدينية. لم نحضر بعدها أية مناسبة غنائية، ولم نر حاتم إلا وهو يقرأ القرآن الكريم ويحيي المجالس الحسينية، إذ أصبح يمشي بهدوء بعد أن أطال اللحية، ونفس الجمهور يحضر له كما كان في السابق.

ظل كما هو لم يتغير، فلايزال صاحب صوت جبلي جميل يميل إلى اللون العراقي، ولكنه تحوَّل كما تحوَّلت جزيرة تاروت إلى مدينة، وانتقل مع انتقال الشرق الأوسط.

قاص وإعلامي