آخر تحديث: 22 / 2 / 2024م - 11:52 ص

عام جديد لعله يكون أكثر إشراقاً

يوسف مكي * صحيفة الخليج الإماراتية

احتفل العالم مع بداية هذا الأسبوع، بدخول عام 2023 حيز التنفيذ، وكان أهم معلم للاحتفالات بالعام الجديد، هو انشغال بلدان الشمال، في جميع القارات بتداعيات العاصفة الثلجية، غير المسبوقة، منذ خمسين عاماً، والتي وصفت من قبل أجهزة الإعلام، بعاصفة القرن. وتسببت العاصفة في تشريد مئات الآلاف، إن لم يكن الملايين من منازلهم، وذهب نتيجة لما سبّبته من خراب ودمار مئات القتلى. وكانت حصة المدن الأمريكية منها، وبشكل خاص مدينتي نيويورك وبافالو، حصة الأسد.

في الحديث الماضي، بدأنا في تقديم قراءة استشرافية، لأحداث العام الجديد، منطلقين من قراءة الوضع الدولي في العام المنصرم، والصراعات والحروب التي اشتعلت خلاله. وقد خلصنا إلى أن ما يشهده العالم، هو بداية تعبيد الطريق لانبثاق نظام عالمي جديد، يعكس حقائق القوة الراهنة، ويصحح الخلل في موازين القوة الدولية، ولم تكن العملية العسكرية الروسية، التي تدور رحاها الآن على الأراضي الأوكرانية، سوى واحدة من أوجه الصراع المحتدم بين القوى الكبرى، لتصحيح الخلل في السياسة الدولية، والانتقال من مرحلة القطب الأوحد، إلى التعددية القطبية.

مشاهد أخرى، عديدة تتخذ مسارات صدامية، ربما تكون أعلى مما نشهده الآن، هي تصاعد الصراع، بين الكوريتين، الشمالية والجنوبية، ودخول اليابان على الخط، وإعلانها عن خططها في سباق التسلح، وسعيها نحو تصنيع صواريخ باليستية يبلغ مداها أربعة آلاف كيلومتر، والهدف المعلن، هو الرد على استفزازات كوريا الشمالية المتصاعدة.

في سياق، الصدام العسكري، من أجل تعبيد الطريق لانبثاق نظام دولي جديد، أشرنا بالحديث السابق، إلى أن الصدام الروسي الأوكراني، سيكون أكثر عنفاً وحدّة. وبالنسبة لروسيا، فالهدف من الحرب، لا يمكن قصره على المعلن منه، بل ربما يكون المضمر فيه، أكثر أهمية، في التحليل الاستراتيجي مما هو معلن. وقد جاءت أحداث الأسبوع المنصرم، على الجبهة، وتكثيف القصف الجوي على العاصمة كييف، وتصريحات الرئيس الروسي، ووزير خارجيته، بأن الحرب لن تتوقف ما لم تحقق أهدافها، وأنها ستنتهي بانتصار روسيا، لتؤكد صحة ما أشرنا إليه سابقاً. وعلى الجبهة الصينية، مع تايوان، تؤكد الصين حضورها العسكري، وتفوقها الجوي والبحري، وتمارس حواماتها دوريات مستمرة في بحر اليابان، وفوق أجواء تايوان، معتبرة ذلك شأناً داخلياً.

رغم الضجيج العالي، لإدارة الرئيس الأمريكي، جوزيف بايدن تجاه سياسة الصين في تايوان، فإن البحرية الأمريكية، تظل عاجزة عن الاقتراب من سواحل تايوان. والحكومة الصينية تبلغ الولايات المتحدة رسمياً، بعد أن وجهت إنذاراً لمدمرة أمريكية بالابتعاد عن المياه الإقليمية، بأن هذا هو الإنذار الأخير، وأن البحرية الصينية، ستمارس مستقبلاً صلاحيتها في الدفاع عن أرض الوطن وسترد عسكرياً على أي اختراق لمياهها الإقليمية، دون سابق إنذار. والاستراتيجية العسكرية الصينية، لا تستثني تايوان، ولا مياهها الإقليمية عن حدود الصين، وممتلكاتها.

في سياق آخر، تقترب تركيا أكثر فأكثر، من روسيا، وتنأى بسياساتها عن الغرب، وإن بقيت عضواً في حلف الناتو. والغرب ربما يجد في نزعتها السياسية المستقلة، مكسباً في الوقت الراهن، كون ذلك سيجعل من تركيا وسيطاً مقبولاً من قبل جميع الأطراف، إبان الصراع المحتدم الآن على الجبهة الأوكرانية.

وقد لاحظنا خلال الأيام الماضية، كيف انعكس التقارب الروسي التركي، على الأوضاع في سوريا، حيث عاود البلدان اتصالاتهما المباشرة. وكان آخرها الرعاية الروسية للقاء وزيري الدفاع، في البلدين ورؤساء مخابراتهما في موسكو، وبحضور وزير الدفاع الروسي. ويتوقع أن يلتقى وزيرا خارجية تركيا وسوريا في منتصف هذا الشهر.

وحين نضع هذا الحدث، في سياق ما هو متوقع من تحولات سياسية كونية، فلابد من لفت النظر، إلى أن سوريا وتركيا، يلتقيان مجدداً على قاعدة التحالف في المواجهة العسكرية لحركة «قسد» الكردية، التي تقاتل برعاية ودعم أمريكي مباشر. بمعنى آخر، تركيا وسوريا، يتحالفان ضد حليف لأمريكا العضو الشريك لتركيا في حلف الناتو. لكن ذلك لم يعد مستغرباً، أمام التحولات الدراماتيكية في السياسة الدولية.

إيران تواجه مشاكل داخلية عديدة، لعل أخطرها الحركة الاحتجاجية التي مر عليها حتى الآن أكثر من ثلاثة أشهر، والتي تحظى بدعم إعلامي واضح من أمريكا والدول الغربية. وعلى الأرجح سيجعل ذلك إيران مستعدة، أكثر من أي وقت مضى لتوقيع الاتفاق النووي، وبرعاية أممية. وقد تؤدي التطورات الأخيرة في إيران، إلى مراجعة جذرية لسياساتها في العراق واليمن، وحوض البحر الأبيض المتوسط.

نأمل أن تكون خواتيم هذه الأحداث برداً وسلاماً على أمتنا، وعلى جميع الشعوب المحبة للسلام.