آخر تحديث: 14 / 7 / 2024م - 1:08 م

شاعر الظلال حيدر العبدالله

محمد الحرز * صحيفة اليوم

«1»

يكتب قصيدته وكأنه لا يكتب سوى ظلال الكلمات. هو إذن شاعر الظلال «من الظل» التي لا تنفك تقود ليل كلماته إلى النبع، وتمنح نهارها دفء الشمس.

لكن الظلال عنده ليست فاتحة النشيد، هي ما يكمن خلفه، هي ما يلوح في أفق يده، ولا تبصره اللغة، هي البرق الخاطف الذي ينبه طائر شعره بالملاك الذي يصغي إلى غنائه، هي ما تسبقه دائما إلى القول كسنارة صيد ترمي نفسها بالبئر بدلا من البحر، وما تتأخر عنه سوى خطوة واحدة لا أكثر، هي الجاذبية التي تسرع في شده إلى القصيدة قبل الضياع في متاهة الفضاء، هي ما يقال عنها الخفة التي تتلبس روح الكلمة، كلما انتزعت من القاموس ووضعت في دفتر الشعر دون ضجيج، هي صمته وهي كلامه في ذات الوقت، وكأنهما توأمان سياميان، يختلط صداهما على العابر إلى حقله.

حين نقول: هذا هو شاعر الظلال، فما نقوله ليس مجازا بالتحديد، هو أدنى من المجاز، وأعلى منه قليلا، هو بين بين كمن يستطيع أن يخفي ظله أمام الحشود، ويظهره أمامهم في نفس الوقت، إنها لعبة الإبداع التي يتقنها حيدر بامتياز ويوظفها باقتدار.

حين نقول الشعر ظلاله، فإننا نغري المسافرين أن يستريحوا تحت شجره، ويقطفوا من ثمار أرضه، ويرقصوا من إيقاع حركاته.

نقول الظلال ونحن نعني أيضا ما يتجاوز الشعر إلى الحياة، ما يتجاوزه إلى الحد الذي نراهما معا، من منظور العملة المعدنية، لكن بوجهين مختلفين.

أليس في هذا المنظور شيء من المغامرة بالنسبة للمبدع؟

جرب أن ترمي عملة معدنية من علو شاهق على بحيرة، ما الذي يحدث؟ ستغرق العملة في قاع البحيرة، لكن قبل ذلك سيحدث الاصطدام بسطح الماء توترا على شكل دوائر، تزول تدريجيا.

يقنعني الشاعر حيدر بنجاعة مثل هذه المغامرة، ولولا أنني أعرف بوصلة ذكائه التي تعمل بجد، ومراكب هدوئه المتينة التي تتهادى بثقة السائر على سطح البحيرة، وقوة غواصيه المتنبهين لكل طارئ، لقلت له: ابتعد عن الحافة، كي لا تسقط وراء العملة مباشرة.

«2»

ففي كتابه «مهاكاة ذي الرمة - أطروحة الهايكو العربي» الصادر حديثا من دار أدب للنشر والتوزيع 2022م، والذي أهدى لي مشكورا نسخة منه، وصدره بإهداء يقول فيه «أدعوك إلى خوض هذه المغامرة معي». كنت أبحث عن مفردات روح المغامرة تلك حسب توصيفه.

ووجدت الخيط الذي يقودني إلى ما أريد، إنه خيط الرغبة الدفين الذي يشد الإرادة إلى أقصاها، لارتياد مناطق بحثية يصعب على الباحث الخبير والمتمرس ارتيادها، ناهيك عن شاعر شاب يتعامل مع المفردة بسيولة الماء الهارب من بين الأصابع، من فرط حساسيته الشعرية، ولم يسبق له أيضا أن مشى بقدميه الحافيتين على تضاريس وعرة، ذات صخور خشنة الملمس، وكهوف غائرة في الظلمة، ما زلنا نسميها تضاريس التراث العربي الإسلامي الوعرة.

من خلال قراءتي للكتاب صفحة صفحة وسطرا سطرا كان يقيني يزداد سطوعا وثقة بجدارة حيدر في ارتياد هذه المغامرة بوصفها محاولة تأصيلية في موضوع شائك يتعلق بتوطين شعر الهايكو وترحيله بشروطه ومعاييره التي ارتبطت به في الثقافة اليابانية وبالخصوص التصوف البوذي، إلى التراث الشعري العربي على قاعدة معيارية أخرى هي الأوزان الخليلية، ليثبت أن الشعر العربي ببحوره وتفاعيله قادر على الاستيعاب، وبالتالي التلاقح مع هذا الشعر الذي أصبح عالميا لتمدد تأثيره على شعراء العالم، وهو ينتخب الشاعر ذو الرمة «696 - 735» الذي عاش في العصر الأموي كنموذج تطبيقي على مثل هذا التوطين والترحيل. ولا أريد هنا الدخول في تفاصيل الكتاب أكثر، لأن الإشكاليات التي يثيرها تحتاج مني لأكثر من وقفة ورأي.

ما أريد التركيز عليه قبل نهاية المقال، وأعجبني كثيرا، واستفدت منه في واقع الأمر، هو الجهد الكبير الذي بذله في مسألتين بالخصوص، الشرح الذي قارب به ديوان ذي الرمة، ومن ثم بنى عليه تطبيقات الهايكو، والتصنيف والفرز الذي استخلص منه التقويم الشعري ذا المرجعية المستمدة من علم الأنواء العربي. وأخيرا من يتصفح مصادر الكتاب ومراجعه يعرف تماما الجهد الذي بذله الشاعر في مقاربة موضوعه.