آخر تحديث: 25 / 7 / 2024م - 3:51 م

إبراهيم الحسين شاعر الطريق الذي لا يُجارى

محمد الحرز * صحيفة اليوم

القصيدة على يديه لا تخطئ وجهتها، إذا ما أرادت أن تعود إلى منابعها الأولى، إذا ما أرادت أن تغطس عميقا في بحر أيامها القديمة، إذا ما رغبتْ أن تبدل ملابسها بملابس أخرى، أكثر لمعانا وإشراقة وجِدّة.

القصائد لا تنفر ولا تبتعد كثيرا عن خطوه، وكأن جاذبية الشعر لصق ملمسه، ولصق نظراته، والنافر من دمه أيضا، وإذا ما ابتعدتْ، ذلك لأجل الاستطلاع والتقصي حتى لا تتفاجأ بعثرات الطريق وأهواله.

وبخلاف جُلّ القصائد التي يجهد أصحابها في ملاحقتها من شارع إلى آخر، من بيت إلى آخر، من مدينة إلى أخرى، حتى آخر نَفَس يخرج من رئاتهم، فإن قصيدته تظل هي التي تلاحقه، أينما حلّ أو رحل، أينما التفتْ، أو أشار، أينما نام أو استفاق سواء في حلمه أو خارجه، لا فرق.

هو وحده في الطريق، لا يقول، ولا يفسر قصيدته، ولا يفككها كلعبة أو يعيد تركيبها، هو وحده الذي يقوم بعمل البستاني، يشذب العشب حتى لا يطول، ويسقي ما تيبس منه، ويقطف ما أثمر. وهو فيما يقوم بهذا العمل الشاق، تعبره عيون الشعراء، ولا ترى منه سوى قصائده فقط، كأنما يقول لهم: انظروا إلى السماء حين تبرق لغتي.

إبراهيم الحسين شاعر الطريق الذي لا يجارى حين يعلن ماراثون الشعر أن السباق قد بدأ، وأن المتسابقين على أهبة الاستعداد للانطلاق.

لكن الوقت بالنسبة لهؤلاء المتسابقين، لا يعني عندهم سوى شيء واحد هو الحياة.

لذلك الرابح هو الذي لا يصل أبدًا، هو الذي يجرح عنق اللحظة، ويجعلها تنزف حتى الممات، هو الذي تتمدد شاعريته مثل تيرمومتر إذا ما ارتفعت درجة حرارتها، وتتقلص إذا ما انخفضتْ، حسب متطلبات الحياة ذاتها.

إبراهيم الحسين هو شاعر اللحظة التي ما أن ْتبدأ، فإنها لا تنتهي، ما أنْ تقول الكلمةَ حتى تتمدد على طول حياته مثل شريحة تحت ميكروسكوب كبير.

لا شيء يضاهي مثل هذا التمدد للغة حين تأتي على مقاس حياة الشاعر، وعلى مقاس جسد كلماته.

فهاهو بعد مسيرة شعرية تكللت بعشر مجموعات شعرية بدأت بديوان «خرجت من الأرض الضيقة» عام 1992م وانتهاء بآخرها «يُخطئ الموتى» 2022م لم يزل يوسع من حدقة عينيه ويرمي اللمسة تلو الأخرى مثل سهم؛ كي يعثر على نهاية الطريق، لكن يا للروعة، ويا للجمال، ويا لحظ القصيدة، ويا لحظ المنصتين لها، لن يعثر عليه أبدًا.

لقد كان في أغلب مجموعاته ينصت ويراقب كل عبارة أو جملة تحاول الخروج من قلعته، مثل حارس متيقظ للهاربين أو المتمردين، وكان أيضا يحكم قبضته بعمق الوصف الذي يعطي بالتالي مجازاته واستعارات الخفة لليد التي تخيط ثوبا دون أن تترك خلفها لا أثرا للخيط ولا أثرا للإبرة.

أما في ديوانه الأخير «يخطئ الموتى» وما قبله «يسقط الآباء حجرا.. حجرا» القصيدة تأتي مقطرة، ذات نفس واحد، يتحول فيها الموت من حالة خاصة «فقد الأب» في الأول، و«فقد الأم» في الثاني، إلى حالة عامة، وما بينهما يتذكر الموت موتاه كلما ركض الموتى في قصائده دون وجهة أو دليل.

حين يذهب الآباء والأمهات إلى الموت، هل يمكن استردادهم مجازا بلغة القصيدة؟ هل يحدث حقا أن تتسع اللغة في إدخال كامل حياتهم فيها دون نقصان؟ قصيدة إبراهيم في ديوانه الأخير تحاول، ورغم وجع المحاولة، إلا أن فكرة الغياب عنده لا تصرح بالغياب نفسه ولا بالقريب من دلالاته، لكنه يستعيض عنها بفكرة الخطأ باعتبارها الفكرة الأساس التي يبرر من خلالها حضور الموتى، لا بوصفهم موتى، وإنما بوصفهم حضورا دائما في الأشياء التي من حولنا، ونعيشها الآن وهنا، وحضورا دائما في الذكريات، وفي الجسد ذاته.

هذا الحضور تكون قسوته أوقع على الشاعر وعلى قصيدته، إذا لم «يتوارى» خلف فكرة الخطأ.

قد توجد صلة وثيقة في سياق موضوع الموت بين قصيدته وقصيدة وديع سعادة أو قصيدة بسام حجار. لكن ما تمتاز به قصيدته هو الحفر عميقا في لحظته الشعرية دون توسيع رؤاها أو مداها.