آخر تحديث: 14 / 7 / 2024م - 1:08 م

المشهد الثقافي السعودي في سياق التحولات المفصلية

محمد الحرز * صحيفة اليوم

كثيرا ما يتم التساؤل عن طبيعة المشهد الثقافي السعودي في ظل التحولات التي تعصف بالمنطقة على جميع الأصعدة والمستويات، ومثل هذا التساؤل ملح وضروري، لما للمملكة من موقع مهم في مجرى تلك التحولات.

لذلك المشهد الثقافي السعودي يمكن وصف طبيعته انطلاقا من الدور الكبير المناط به، الذي أوقعته تقاطعات اللحظة الراهنة: السياسية والاقتصادية والاجتماعية في شباكها، وهو دور تاريخي مفصلي، ليس للثقافة المحلية حسب، وإنما للثقافة العربية على وجه الخصوص.

تلك التقاطعات فرضتها أحداث كبرى زلزلت استقرار بعض الدول العربية المهمة، على مستوى الصعيد السياسي والاقتصادي والاجتماعي والأمني، وفرضت حالة من الترقب والتساؤل في الأوساط العربية:

من يعلق الجرس؟ من يعيد الألق إلى فكرة الثقافة بوصفها قوة ناعمة للدولة والمجتمع؟

المملكة بقيادتها الشابة صنعت هذا الألق برؤيتها المستقبلية، ورهانها على أن إنسان الوطن وثقافته المتطلعة للأمام، هو من يصنع القوة في جميع مجالات الحياة.

لذا قدم الحراك الثقافي السعودي نموذجا مبهرا في كيفية استثمار الطاقات التي يمتلكها أبناء البلد من شباب وشابات، في كل المجالات الثقافية والإبداعية والعلمية، استثمارا يحقق معها الغاية والهدف، وهو صناعة المستقبل.

ولا يخفى على أحد أن أهم روافع هذا الحراك جاء بفعل ذاتي داخلي أيضا، فالإمكانات الكامنة في طبيعة المجتمع السعودي باعتبار تنوعه الثقافي، وعمقه التاريخي، ونسيجه الاجتماعي، لم تستطع معها أي قوة مضادة لا تؤمن بالتنوع، وتحاول فرض أفكارها وقناعاتها على عموم المجتمع، أن تحجب تلك الإمكانات، مهما صنعت ومهما حاولت.

ناهيك عن المكانة الكبيرة التي تحظى بها المملكة على مستوى العالم اقتصاديا، مما يجعل أي حراك أو تغيير فيها، بأي اتجاه مؤثرا كبيرا، لا يمكن تخطيه لا على مستوى الإعلام أو الثقافة أو المجتمعات.

هذا في ظني أهم المرتكزات التي من خلالها يمكن وصف المشهد السعودي من منظور الدور الذي يلعبه حاليا.

ويمكن النظر إليه أيضا من موقع المسؤولية الذي يتعزز سلبا أو إيجابا اعتمادا على مؤسسات الدولة من خطط وإستراتيجيات داعمة له من جهة، وعلى الفاعلية التي تقدمها النخب المثقفة من جهة أخرى.

فكلاهما معا يشكلان إطارا لها، هذا إذا كنا نعني بالمسؤولية حرية ابتكار الأساليب المطورة للعمل الثقافي، وإبداء الرغبة والطموح في تعزيز القدرات الإبداعية والمعرفية عند الإنسان.

لكن ثمة درجة من المسؤولية تكون أكبر من غيرها، ولا شك أن الدولة بجميع مؤسساتها وأجهزتها الإدارية وقوتها المالية هي القادرة على توجيه القدرات والحريات، بل وحتى توجيهها من العمق.

لكن بالنظر حاليا إلى تحولات الثقافة المعاصرة في ظل الرأسمالية الجديدة وعلاقتها بالمجتمعات، فإن مفهوم النخبة لم يعد كما كان مثل السابق، كتلة واحدة، تتمايز عن بقية المجتمعات بقيمتها المعرفية والعلمية والثقافية، بل تشظى في اتجاهات عدة، ولم يعد له وجود كقيمة مؤثرة، بل صعدت بدلا منه قوى بديلة، من أهمها تلك التي ترتكز في وجودها على فضاءات افتراضية مؤثرة، للأسف لا يملك أغلبها تأثيرا كبيرا على قضايا الرأي العام، بل يقتصر التأثير على تفاصيل شكلية تتعلق بالمظاهر فقط.

من هنا في ظني تتضاعف مسؤولية الدولة في إعادة الاعتبار للنخبة كقيمة.

أخيرا هناك تساؤل مهم في إطار هذه المسألة، منوط بالطريقة التي يمكننا فيها إقناع المجتمعات بدعم الثقافة وتمويلها؟

لكن على من تقع «نون الجماعة» في يمكننا، ثم هل مسألة الإقناع مجرد آلية متى ما أراد الفرد أو أي جهة من الجهات الفاعلة بالمجتمع أن يقنع الآخرين بفكرة أو عمل ثقافي يكون باستطاعته القيام بذلك، بمجرد تحريك هذه الآلية.

الأمر يبدو لي أكثر تعقيدا من ذلك، فوسائل الإقناع ليست سوى طرق التفاعل القائمة بين صناع الثقافة من مبدعين ومثقفين ومفكرين وعلماء وأكاديميين والقائمين عليها سواء من جهات حكومية أو جهات أهلية خاصة، وبينها وبين متلقيها من مختلف شرائح المجتمع المختلفة.

الرغبة والإرادة في تطوير هذه الطرق، تقود بالتالي إلى تحويل الثقافة من طورها الإنشائي الفوضوي إلى طورها المؤسساتي الفاعل والمنظم، وهذا وحده كفيل بالقول أن ثمة دعما حقيقيا تتلقاه ثقافة البلد.