آخر تحديث: 14 / 4 / 2024م - 8:26 م

رأيت المنايا خبطَ عشواء!

أرجو من القارئ العزيز أن لا يظنّ أن هذه الخاطرة عن الموت! بل هي لا شك دعوة إلى العظةِ والعبرة والتفكر في الموت والحياة، والاعتقاد أن الموتَ والحياة صنوان وتوأمان خلقهما الله من أجلنا ﴿الَّذِي خَلَقَ الْمَوْتَ وَالْحَيَاةَ لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا وَهُوَ الْعَزِيزُ الْغَفُورُ .

قبل تقنية الهاتف ووسائل التواصل كان من الممكن أن يموت شخص تعرفه ولا تسمع بخبر موته إلا بعد مدة! أما الآن فأسمَاء الموتى تعرض وتعرف في لحظتها، قبل أن يبرد جسدُ الميت!

كنا في جلسة نتبادل الأحاديث: فلانٌ ماتَ سنة كذَا، وفلانة ماتت قبله! كيف ماتت قبله؟ أليست أصغر منه؟ فلانٌ مات قبل فلان! أوف، كيف مات قبله وهو في عمر ابنه؟ هذا هو واقع السهام التي يرميها ملك الموت. من ينظر لها عن بعد يراها خبطَ عشواء، كيفما اتفق. بينما الحقيقة ﴿إِذَا جَاءَ أَجَلُهُمْ فَلَا يَسْتَأْخِرُونَ سَاعَةً وَلَا يَسْتَقْدِمُونَ .

في الصباح يتهامس النّاس؛ فلانٌ مات البارحة! كيف؟ أحلف لكم، كان معنا البارحة، تعشى وانبسط، لم يكن يشتكي من شيء! أمس رأيته، كان قويًّا مثل حصانِ حقل! كان يلعب معنا! أوف، أصابه قوس المنايا الذي لا يخطئ بسهمٍ فأرداه صريعا:

فكم من صحيحٍ ماتَ من غير علّة ** وكم من سقيمٍ عاشَ حينًا من الدهرِ

وكم من فتى أمسى وأصبح ضاحكًا ** وأكفانه في الغيب تنسج وهو لا يدري

تخيل معي كيف يكون الحال لو علمنا متى نموت، ومن يموت قبلَ من! هل تسمن الشاة وهي تدري متى يضع الجزّار الشفرةَ فوق رقبتها؟ يصف هذه الحالة الإمام علي قال : ”مسكين ابن آدم! مكتوم الأجل، مكنون العلل، محفوظ العمل، تؤلمه البقة، وتقتله الشرقة، وتنتنه العرقة“.

إذن، لولا جهل الأجل وطول الأمل في أن نعيش الغد ما عمرنا الحياة ”إن قامت الساعةُ وفي يد أحدكم فسيلة، فإن استطاعَ أن لا يقوم حتى يغرسها فليغرسها“! وأيضًا من الجنون أن لا نعترف بسطوة الموت! كيف لا نعترف بسطوة الموت وهو يُفني الناسَ صغارًا وكبارًا، ذكورًا وإناثا!

الموت ملح الحياة! يوازن طعمها، لولاه ما طأطأ أحدٌ رأسه! نبيًّا وحاكمًا في عظمةِ سليمان بكلّ تلك العظمة والسلطان، لم ينتظره ملكُ الموت أن ينامَ على سرير أو يجلس على أريكة. كان واقفًا متكئًا على عصاه حين فاجأه الموت واستلّ ملك الموت روحه من بدنه، وبقي سليمانُ جثَّة هامدةً مدة على حالته، حتى أكلت الأرضةُ عصاه، فاختلّ توازنه وهوى على الأرض، وهكذا علم أهلُ مملكته بموته.

مستشار أعلى هندسة بترول