آخر تحديث: 27 / 5 / 2024م - 8:37 ص

عيرتني بالشيبِ وهو وقارُ!

المهندس هلال حسن الوحيد *

أمّا الآنَ وقد شاخَ فصلُ الصيف وانتشى فصلُ الشتاءِ ”معتدلًا“ سكرانًا في شبابه، ليكن في شيبِ الفصول بعد شبابها فرصة للنضج والحكمة، التأمل في الماضي والتفكر في الحاضر والمستقبل:

أما في بياضِ الشيبِ حلمٌ لأحمقِ ** به يتلافى من لياليه ما بقي؟

القارئ العزيز: كم عمرك؟ هل نظرتَ في المرآة وهالكَ ابيضاضُ شعرك؟ في الحياة رسائل؛ بعضها في كلام، بعضها في ألوان، بعضها في قوّة، وبعضها في ضعف. طب نفسًا، هي الأيام تفعل ما تشاء!

يروى أنه كان النّاس لا يشيبون، فأبصر إبراهيم شيبًا في لحيته، فقال: يا ربّ ما هذا؟ فقال: هذا وقار، فقال: ربّ زدني وقارا! هدية جاءتك بعد سنواتِ الطيش، لتجعلَ منك رجلًا - أو امرأة - أكثر حكمة وتعقل من سنوات الشباب! تقول: لا أصدّق؟ قارن حكمتك الآن وسنوات وما قبل المشيب، انظر ما يفعله الصبيان من طيش!

لم أرَ مؤدبًا في الحياة أبلغ من الشيب! لديه خطة محكمة تبدأ بالهجوم من شعرة واحدة. تستيقظ وتنظر في المرآة فترى خطّا أسود، تفرك عينيك وتنظر فإذا هي شعرة مثل غرابٍ أبيض بين غربانٍ سود. يتواصل الهجوم يومًا بعد يوم حتى ترى غرابًا أسود بين غربانٍ بِيض!

صديقي العزيز: كن سعيدًا في صحبة الشيب، بالأمس القريب كنت شابًّا أحمق. اليوم أنت رجل وقور. يقول الإمام علي : ”وقار الشيب نور وزينة“. في كلّ فصلٍ من فصول الحياة زينة، وأطول فصول الحياة ذلك الفصل الذي فيه زينة الشيب. أما الشباب فهو جبان خوّار، سريع الهروب:

أيها الشامت المعيّر بالشيبِ ** أقلَّن بالشبابِ افتخارَا

قد لبستُ الشبابَ غضًّا جديدًا ** فوجدتُ الشبابَ ثوبًا معارَا

الشيب رسول! يقول لنا: انتبهوا، لديكم مواعيد في الحياة فأنجزوهَا! أسود، أحمر، أشقر، هذا الشعر النابض بالحياة من صبغة تنتجها بصيلات الشعر تسمى الميلانين. مع تقدمنا في العمر، تفرز بصيلات الشعر كميّة أقل وأقل من الميلانين، ويفقد الشعرُ لونه الطبيعي. الرسالة الأكثر وضوحًا على انخفاض كمية الميلانين هي الشعر الرمادي. شيب الشعر هو علامة طبيعية نموذجية للشيخوخة. علاوة على ذلك، قد تبدأ هذه العملية في وقتٍ مبكر لدى بعض الأشخاص أكثر من غيرهم. لذلك من الطبيعي تمامًا ملاحظة وجود شعرتين رماديتين قبل العشرينات أو الثلاثينات من العمر.

يقال إن الشباب شباب الروح، فمن تظل روحه شابة لا يشيخ. وهناك من تشيب روحه قبل أوان مشيب شعره! ولمَن شاخ من أبناء جيلي: إذا عيروكم بالشيبِ فقولوا لهم أو ”لهنّ“:

عيّرتني بالشيبِ وهو وقارُ ** ليتها عيَّرت بما هو عارُ

إن تكن شابت الذوائبُ منّي ** فالليالي تزيِّنها الأقمارُ

مستشار أعلى هندسة بترول