آخر تحديث: 14 / 7 / 2024م - 1:08 م

تلازم القراءة بالانطوائية

يوسف أحمد الحسن *

لعل المفكر العراقي علي الوردي حين قال إنه كلما كان الإنسان أكثر اجتماعية كان أقل عبقرية وأكثر ابتذالًا؛ يقصد عين ما قاله قبله المفكر الاسكتلندي توماس كارليل «عندما نقرأ في التاريخ، نجد أن مُعظم من قاموا بعمل عظيم، قد قضوا حياتهم في عُزلة»، وما أشار إليه الكاتب التشيكي فرانس كافكا «ما نجاحاتي إلا إنجازات العزلة». فهل هناك علاقة أو تلازم بين الإنجاز والنجاح من جهة، والعزلة والانطوائية من جهة أخرى؟

يميل بعض الكتاب والمفكرين إلى القول بهذا الرأي لسبب بسيط وهو ما ينتج عن العزلة والانطوائية من توفر وقت طويل، ولما يستهلكه الاختلاط بالناس من أوقات.

وقبل الاسترسال في الحديث عن هذه الصفة الشخصية، يجدر بنا أن نسلم أننا حين نتحدث عن هذه الصفة، فإننا نتحدث عن حصولها باختيار الشخص، ودون وجود عوارض مرضية أو عقد، وعدم حصولها للهرب من مواجهة الناس أو من استحقاق عملي، وألا تؤثر في الحياة الشخصية أو العملية للإنسان.

أما عن القراءة تحديدًا، فهناك بعض الدراسات التي تتحدث عن ذلك؛ منها ما أجراها بروفيسور علم النفس في جامعة فرجينيا «دانييل ويلينغهام»، وجاء فيها أن الانطوائيين يبدون ميولًا أكبر نحو قضاء أوقات أطول في القراءة أكثر بقليل من غيرهم في أوقات فراغهم.

ويخبرنا التاريخ بأن أكثر العلماء الذين خدموا البشرية؛ إما بعلومهم الشرعية أو بالعلوم التطبيقية أو بالأدب والشعر، كانوا أقل الناس اختلاطًا بالناس وحضور مجالسهم العامة. وربما تعود أحد أسباب ذلك إلى الوقت الذي يتم تخصيصه للإبداع؛ وهو أهم رأس مال لدى الإنسان الذي هو ليس إلا مجموعة من الأوقات «إنما أنت أيام، فإذا مضى بعضها فقد مضى بعضك». صحيح أن هناك من الناس من يكون لديه أوقات فراغ كثيرة إلا أنهم غير منتجين، لكننا لا نتحدث عن هؤلاء بل من لديهم ملكات كامنة للإبداع، لكن اختلاطهم الكبير هو ما يمنعهم من الإبداع. هناك بالتأكيد إيجابيات من الاختلاط بالناس وتخصيص أوقات طويلة لذلك، لكنها - هذه الإيجابيات - تعتبر قليلة مقارنة بما قد يحصل عليه المرء من خلوته مع الكتب. وعند النظر إلى بعض المبدعين في التاريخ البشري نستطيع الاستنتاج بسهولة أن كثيرًا منهم كانوا يتميزون بدرجة ما من الانطوائية مثل اينشتاين وإسحاق نيوتن وغاندي وبيل غيتس وأمثلة كثيرة أخرى. ومحليًا يعزو الدكتور القصيبي سبب غزارة وجودة إنتاجه الأدبي إلى أنه لم يكن يعر اهتمامًا كبيرًا للمشاركات الاجتماعية التي تستنزف الكثير من الوقت مع فوائد ضئيلة.

- «أعطتني القراءة عذرًا مقبولًا لعزلتي، بل ربما أعطت مغزىً لتلك العزلة.» «البرتو مانغويل»

- «لكي يسترجع الإنسان عافيته ومزاجه، لا بد له من إجازة يعتزل فيها البشر لمدة ستة أشهر على الأقل مرتين في السنة!». الروائي الأمريكي تشارلز بوكوفسكي