آخر تحديث: 22 / 2 / 2024م - 1:40 ص

سُفرتنا أمس وسُفرتنا اليوم!

المهندس هلال حسن الوحيد *

في اللغة العربيَّة: ”السُفرة“ هي المائدة وما عليها من طعام، وفرقٌ كبير بين سُفرةِ اليوم وسُفرة الأمس! كنا نجلس حول السفرة في وقتٍ واحد، سفرة من سعف النخل فوقها نوع واحد من الطعام، أرز وقليل من الإدام. لا أحد يشتكي، لا أحد يتذمر، لا أحد يتأخر، ومن يتأخر فاته الطعام. لا يبقى من الطعام شيء، قلّ أم كثر.

في الأيَّام الماضية استضفنا أحفادنا، وعندما يأتي وقت الأكل، يعلو الصراخ والمناشدات للتجمع والأكل. لا أحد يعجبه الطعام، هذا يحب شيئًا والثاني شيئًا آخر، والثالث والرابع! وتصبح السفرة مطعمًا تحت الطلب. لا أحد يتكلم، الكل ينقر بأصابعه على لوحة مفاتيح آلة من الآلات، ثم يتسللون سريعًا بعد الأكل إلى حيث كانوا. يُرمى من الطعامِ أكثر مما يؤكل وأشهى الأكل عندهم ما يشترونه بأغلى الأثمان وهو أردأ الأصناف!

سفرة الأكل، اجتماع يوميّ، أصابته المدنيَّة في مقتل! كثرة الخيارات والأكل من خارج المنزل، لم يدعَان نظام السفرة على ما كان. من نوعٍ واحد من الطعام وشهيَّة مفتوحة مثل أحصنةٍ مكدودة، والسؤال عمن حضر وعمن غاب، إلى أنواعٍ متعددة وشهيَّة مفتوحة طول اليوم إلا وقت السفرة، وكلّ حسب وقته وجدوله.

وقت الطعام، في الأيَّام الخوالي، كان وقتًا لمشاركة الأولاد والبنات في إعداد السفرة. الآن، الأمّ من يخدم، أو العاملات، لا أحد غيرهم يشارك! أصبح وقتًا عاديًّا جدًّا، يحضره من يحضر ويغيب عنه من يغيب. عن النبيّ «صلى اللهُ عليه وآله» قال: ”كلوا جميعًا ولا تفرقوا فإن البركةَ مع الجماعة“. لمَّات الأكل تراث وحضارة وخير وبركة، أفضل من الأكل مع الوحدة والتفرد. لمَّات الأكل توفير مال، وتوفير صحة ودعوات وشكر لصانع الطعام ومشتريه!

الفرق الواضح بين سُفرة الأمس وسُفرة اليوم التَّالي: ارتفاع السمنة إلى مستوياتٍ غير مسبوقة بين الكبار والصغار، حتى بين الأطفال في سنّ ما قبل الالتحاق بالمدرسة. عمليات تكميم المعدة في ازدياد، ومشرط الطبيب هو الدواء الأسرع في إنقاص الوزن وعلاج السمنة!

لذلك علينا أن نرغِّب أطفالنا في الرشاقة والحركة وانتظام الأكل، وأنّ الحل ليس في تكميم المعدة ومشارط الطبيب، إنما في تكميم الأفواه عن الأكل - الرديء - لأن السمنة غير محمودة العواقب.

مع ملاحظة أنني لم أرغب في إنهاك القارئ الكريم في سرد أرقام عن السمنة في مجتمعنا وأسبابها، والقارئ الكريم يستطيع أن يطلع بنفسه على أرقام نسبة السمنة وأسبابها، حقًّا تستحق التمعن والتفكر فيها!

مستشار أعلى هندسة بترول