آخر تحديث: 13 / 6 / 2024م - 12:27 م

التسامح يبني الأمم

أمير بوخمسين

العظماء الذين خلدهم التاريخ، لم يكن تكريمهم أو تخليدهم نابع من فراغ، أو من عدم، بل خدموا البشرية جمعاء، وساهموا في قيام وبناء الحضارات وتركوا إرثاً عظيماً في خدمة الإنسانية والبشرية، سواء على الصعيد العلمي والإنساني أو الاجتماعي. لذلك بقت أسمائهم محفورة في الذاكرة الإنسانية، وأعمالهم تشهد لهم. فمنهم من ساهم في ترسيخ مفاهيم الحرية والحقوق، وأنقذ شعبه للخروج من حروب طاحنة أكلت الأخضر واليابس، وتجاوز كل مآسي الماضي وتحمّله لكل تلك السنوات لما تعرّض له من أنواع التعذيب والاضطهاد والتنكيل إلا أن إيمانه بالعفو لمن سجنه وعذّبه هو الطريق السليم لبناء مجتمع قائم على القانون والعدالة، وهو المخرَج الوحيد لإنقاذ شعبه. ومنهم من أخترع العلوم في مختلف مجالاتها لخدمة الإنسانية، وساهم في تطوير الكثير من الصناعات التي تركت أثارها لإنقاذ البشرية. حديثنا سيكون عن الجانب الإنساني، العفو عند المقدرة التي هي من شيم الكرام والعظماء، ومن شيم الأنبياء والرسل عليهم الصلاة والسلام، فنبي الله يوسف الصديق ، يعفو عن إخوته الذين حاولوا قتله، برميه في البئر، وفرقوا بينه وبين أبيه صغيراً، فعفا عنهم عند القدرة على الانتقام منهم.

وعفا نبينا محمد ﷺ عن قريش وأهل مكة، الذين آذوه وعذبوه وطردوه، وأخرجوه من أرضه ووطنه، فلما فتح مكة لم ينتقم منهم، ولم يعاملهم بما عاملوه به، بل عفا عنهم وأكرمهم.

العفو عند المقدرة، من أسماء الله الحسنى، قال سبحانه وتعالى: «إِنْ تُبْدُوا خَيْرًا أَوْ تُخْفُوهُ أَوْ تَعْفُوا عَنْ سُوءٍ فَإِنَّ اللَّهَ كَانَ عَفُوًّا قَدِيرًا» النساء: 149. فالعفو درجات يأتي من قبل الحاكم والرئيس والمدير ورب الأسرة وغيرهم، ممن لديهم السلطة وبيدهم إصدار العفو. ولولا العفو لأصبحنا وحوش بشرية، بلا إنسانية ورحمة. ولكن ليس كل الحالات يجب أن يتم العفو عنها، وإلا تحوّل الأمر إلى حالة من التسيب وعدم الالتزام بالقانون عندما يظن كل مخطئ بأنه إذا قام بأمر مشين بأنه سيحصل على العفو. العفو المطلوب إذا كان مرتكب الخطأ أو الفعل الغير صحيح لم يمس المجتمع بصورة سلبية، كإحداث فتنة أو فرقة بين أبناء المجتمع وغيرها من الأعمال التي تؤدي إلى كوارث اجتماعية. أما إذا كان الأمر شخصي فلا بأس من ممارسة العفو تجاه الطرف الآخر وبالأخص في حال توبته واعترافه بخطئه. الكثير من الدراسات التي تناولت موضوع العفو أكدت على سمّو هذه الظاهرة ودورها في خلق مجتمع إيجابي. ولعل من شخصيات القرن العشرين التي ألهمت العالم بتفانيها وتسامحها وتجاوزت كل مآسي الماضي وترسيخ العيش المشترك ومحاولة نسيان تلك المرحلة السوداء التي مرت فيها بلاده ”نيلسون مانديلا“، الذي قضى 27 عاما في سجون التمييز العنصري في جنوب افريقيا، والذي أعتبر آنذاك عميد سجناء الحرية. فعندما خرج من السجن وأصبح رئيسا لوزراء دولة جنوب أفريقيا من خلال انتخابه عبر صناديق الانتخابات، أعلن رسمياً عن عفوه لمن ظلمه وعذّبه وسجنه، وفرض هذه السياسة بصفة رسمية في ربوع البلاد، سياسة التسامح والعفو، ونسيان الماضي، والبدء بمرحلة جديدة تسودها القانون والحريات وإلغاء كافة أنواع التمييز العنصري. يقول نيلسون مانديلا في مذكراته «حواري مع نفسي»: ”بعد أن أصبحت رئيسا طلبت من بعض أفراد حمايتي التجوال معي داخل المدينة مترجّلين، دخلنا إلى أحد المطاعم فجلسنا في أماكننا وطلب كل منا ما يريده من طعام. في الوقت الذي كنا ننتظر العامل أن يحضر لنا الطعام وقع بصري على شخص جالس قبالتي ينتظر بدوره ما طلبه. قلت لأحد أفراد حمايتي“ أذهب إلى ذلك الرجل وأطلب منه أن يأتي ويشاركنا الأكل على طاولتنا ”. جاء الرجل فأجلسته بجانبي وبدأ كل منا في تناول غذاءه كان ا لعرق يتصبّب من جبينه ويده ترتجف لا تقوى على إيصال الطعام إلى فمه! بعد أن فرغ الجميع من الأكل وذهب الرجل في حال سبيله قال لي حارسي الشخصي، الرجل الذي كان بيننا تظهر عليه علامات المرض فقد كانت يده ترتجفان ولم يستطع الأكل إلا الجزء القليل. فأجبته.. لا أبداً ليس كما ظننت، هذا الرجل كان حارسا للسجن الانفرادي الذي كنت أقبع فيه، وفي أغلب الأحيان بعد التعذيب الذي يمارس على كنت أصرخ وأطلب قليلاً من الماء. فيأتي هذا الرجل ويقوم بالتبّول على رأسي في كل مرة، لذلك كان يرتعد خوفا من أن أعامله بنفس ما كان يفعل معي فأقوم بتعذيبه أو بسجنه. لكن ليست هذه أخلاقي فعقلية الثأر لا تبني دولة في حين عقلية التسامح تبني أمم“.