آخر تحديث: 27 / 5 / 2024م - 8:37 ص

أمي من فريق الأطرش «9»

عبد العظيم شلي

سيمفونية الطبيعة أيقظتني من سبات الليل، زقزقة عصافير وصياح ديكة، أتمدد على المنام مثل قطة منتشية من الرقاد، أبصرت نجمة سهيل تبرق من بعيد، هبات نسايم صيف تنعش الحواس، فجر جديد يطل على فريق الأطرش، بهجة أنفس وأجساد تتنفس.

ناداني خالي، ”ياالله ولد اختي بعد الريوگ نروح للمعامرة ونشد العدة على الحماره ونحمل المراحل في الگاري ونتوجه شرقا“.

فطورنا عصيدة معدودة بالدبس ومبللة بالدهن مع حليب طازج تأتي به جدتي من أبقارهم المجاورات معهم سكنا، مشروب دافئ مطيب بالهيل، ورشفاته متعة لا تضاهى. أمي العودة تصحو قبل أذان الفجر لإعداد الفطور، طقس تؤديه نسوة الفريق بمتعة غامرة.

عمي محمد حسين سالم زوج جدتي يسعل ويردد آيات الاستغفار، أولاده جاسم وعباس مسترخيان تحت العريش المكشوف على الجهات الأربع، يتحدثان مع خالي حسين بصوت خفيض، نداوة الصبح مع ”گرگعة“ النارجيلة وفناجين القهوة نغمات إلفة والموقد اشتعال لمّة، بعض كلامهم مؤجز أنباء يدور في فلك الزرع وخططهم اليومية ومستجدات أحوال الأهل والجيران وتصاريف الزمان، تلهج السنتهم بالبسملة والحمدلة والهيللة والحوقلة والسبحلة والمشألة، أحيانا ”يوشوشون“ بعضهم بهدوء تام، وكأنهم لا يتكلمون، فجأة ينفجرون ضحكا، وأُقهقه معهم دون معرفتي سبب ضحكهم، وجوههم طلقة، والتوكل على الله مصدر قوة، شحذ همم لبدء يوم جديد.

خرجنا من البيت وعبرنا الدروب الندية بين بيوت العشيش، حراك أرجل مستنفرة، نفوس ماضية للحقول منذ تباشير الصبح، تصبيحات لا تنقطع كل بإزاره يرفل، ”صبحك الله بالخير أبو عباس“، ”صبحك وربحك يا أبو جاسم“ إيقاع المشي حماس صدى والخطوات آمال معقودة، ثمة نسوة غاديات للعيون، يتهامسن وسط ”الأردية والمشامر“ والشمس لم تشرق بعد، تغريدات الطيور لغة وتسبيح، تحليق مبكر للبحث عن الزاد، كل يسعى لقوت يومه وعياله، ورقصات المناجل تحية عشق في أيدي رجال جبلوا على تقديس العمل، متيمون بحب الأرض، والثمر سنابل خير للمخلصين.

وصلنا لحقل عمي ”لفليه“ وخيوط الشمس الذهبية تتسلل من بين سعفات النخيل، جو مشرق بالفرح غامر بالبهجة والانشراح، الجدوع والعذوق والأغصان تتفتق نظارة، تنساب عليها حبيبات الندى، الزرع يتبسم صبحا كأنه يرد التحية لأصحابه، أصوات البلابل تطرب النفس، ثمار ملقاة على امتداد العشب، رطب ولوز وجيمبو وتين، نخل زاخر بالخيرات، أن تعيش في ربى الطبيعة فالعافية لباسك والطيبة طبعك.

جمعنا صرات البقل والفجل والفرفخ والحندبان، رتبناهم في ”المراحل“ وغطيناهم بالخيش المشبع بالماء، ووضعناهم داخل صندوق ”الگاري“، انطلقت مع خالي تقودنا الحمارة عابرين دروب ”المعامير“ المتعرجة، مررنا بجبلة ”العگير“ التي يفوح منها رائحة اللحم المشوي، أدخنة تتصاعد من سفحها وتعرجات أرضها المائلة سوادا ورمادا، اشتعالات نار في جثث حيوانات لم تزل تحترق، تحوم حولها كلاب تلعب بانيابها، قال لي خالي: هنا مستقر الدواب الميتة بفعل هرم أو مرض، هذه مقبرة الحيوانات، سألت خالي: لماذا لا يتم دفنها في حفر، منظر الحرق مؤلم وأيضا الروائح كريهة تزكم الأنوف، قال: النار أسرع في تحلل الجسد فيصبح رمادا بينما حفر القبور مضن بحجم الأجساد الضخمة، إلا من عزت عليه بقرة حلوب، إذا جاء أجلها أكرمها صاحبها دفنا في جوف التراب.

منظر جبلة لعگير من كثرة اشتعالات النار التي تنهش أجساد البهائم الميتة تحسب المكان كأنه ”مقبرة هندوسية“ تلك ديانة تؤمن بحرق الانسان الميت، لاعتقادهم أن حرق الموتى سيحرق معهم خطاياهم، وتصاعد الدخان من الجسد هو بمثابة الخلاص، والنار المطهر النهائي للروح، لتصعد للآلهة وقد تخلصت من الذنوب والخطايا! معتقد راسخ منذ آلاف السنين ولم يتبدل برغم غالبية شعوب الأرض بجميع دياناتها وحتى الوثنيون في أدغال افريقيا يدفنون موتاهم، عقائد بعض الديانات تتغلب على كل منطق.

بعد أن اجتزنا مساحة العگير قليلا، نظرنا يجول في الناحية اليسرى، لنخل طويل يسمى ”الريملات“ ومسجده الذي يسمى بأسمه، مبنى صغير تحسبه دارا إلا من محرابه وهو العلامة الوحيدة التي تبين بأنه مكان عبادة، مسجد بني من أجل العابرين الذين تدركهم الصلاة، سواء كانوا متجهين شرقا أو غربا وبالعكس، وفي نفس الوقت موقعه يتوسط شارعين يؤديان بتجاه الشمال الشرقي إلى منطقة الزور الوادعة.

خالي يشير إلى نخل ”الحياله“ الذي قام عليه عمنا منذ زمن، يقع شمال نخل لحليبي يفصلهم الشارع وشرقيه نخل أم الوغل، انعطفنا جنوبا ثم شرقا وعن يميننا ”نخل أم چلوه“ شمال مقبرة المصلى، خطوات وواجهنا شرقا ”نخل الوزارة“ الممتد طولا، وعلى ناصية الدرب رأيت أول شخص أشاهده في حياتي يذاكر دروسه بين الزروع، ناديته من فوق مستراح الگاري قواك الله يا جاسم الحداد «سهوان» رمقنا بنظرة خاطفة وأعاد بصره في الكتاب ملوحا بيده دون كلام، قلت لخالي هذا بيتهم على سفح قصر تاروت من الجهة الجنوبية، - احد الشخصيات البارعة في تاروت - أخبرني خالي ”هذا أبوه يمتهن الحدادة مع أعمامه أبو عبد وحسن، لكن توفي أبوه“ الگيضية ”اللي راحت «1969» وبقي الاثنان يمارسان المهنة يساعدهما أحيانا أولاد أبو عبد، عبد الحسين وسعيد، هو الدكان الوحيد وسط سوق تاروت، شغلتهم واجد متعبة، تبغى اليها قوة عضلات، أصوات المطارق على الحديد تعور الرأس، وشرر النار المتطاير مثل الچي على أياديهم، بس نافعين الناس، نشتري من عندهم المحاش والمناجل والمناچس، والقدوم، وحتى السكاكين، ويعملوا سواطير القصابين، ومسامير الدرايش واللنجات والگواري ورمانات الأبواب“.

وأكملت تفاخرا حسب تعاملي البسيط مع دكان الحداد ”وبعد أبو عبد يحط في دوامتنا كاور طويل مسنن حتى نشلف بها دومات الأصحاب اللي نغلبهم، ويسوي لينا بعد حنية الفخ بأربعة قروش“، بالفعل أبو عبد صانع ماهر وفنان وأستاد في مهنته، كان دكانه مقصدا لكل سكان الجزيرة.

واصلنا المسير وخالي يربت على رقبة الحماره بالخيزرانة لتتجه نحو الدرب المراد، ويدندن ”لا لا يالخزرانه أهل الهوى ميلوكي، لا لا وان ميلوكي مالت الروح معاكي“ اقتربنا على مشارف مقصدنا، نزل غافية على امتداد البحر، ومنارة بيضاء منتصبة شموخا، اطارات الگاري وأرجل الحمار تخوضان في مياه مستنقعات راكدة ونبات الأسل يغطي مساحة شاسعة، برية مكشوفة إلا من نخيلات متفرقات، واحدة منهن يتدلى من سعفها خيوط وقطع أقمشة ملونة، هاقد وصلنا السنابس، ودخلناها عند مكان توديع الحجاج والمسافرين للديار المقدسة، سرنا شمالا ونصيح بالطرقات الترابية، ”بقل، رويد، فرفخ حندبان“، بين مناداة وأخرى تفتح أبواب البيوت، يخرج أطفال وتأتي نسوة، تتبادل الأيدي البيع والشراء، صرة صرتين، ثلاث، نضع قرش وقرشين في ”چيسة“ قماشية صغيرة، درعنا أغلب الدروب من الشمال إلى الجنوب، وكلما مررنا بمنعطف أو زاوية منزل، يوافيني خالي بمعلومة، فأنظر للأمكنة التي كونت لديه ذكرى بعين مختلفة، يشير بإصبعه هذه بناية الأسود ”هنا يا ولد اختي أول مرة أشوف دختور في حياتي وعمري خمس سنين كنت مريض بلگزوزو، وعالجني الذيباني وهذا أول دختور في السنابس، بعد ما ضربني لبراه تعفرت كنت أنا ويا أمي، جايين مشي، لكن رجعتي مانا عارف أحرك ارجولي متسودن، وأُمي ما هي قادره تخفني من فقلي لأني كنت دبه“ مقاربات المشهد 1959م، وأشار خالي بأن دكتور آخر نافس الذيباني وهو أبو أيوب وأيضا تذكر والدتي بأن هناك دكتور ثالث وحسب قولها ”دختور اسمه أبو فيصل، إذا جاء بيضرب يد أي مره لازم يلبسها چيس حتى لايشوفها ولا يلمسها“!

بدأت الشمس تسخن ونحن نصيح «بقل رويد»، ووصلنا إلى وسط السنابس وقال خالي ”شفت هذه الدار المبنية ليست سكنا إنما تسمى“ عين السيف ”مقسومة نصين قسم للرجال وقسم للنساء، هذه عين مطلعتنها المكينة الجداحة“.

رديت على خالي ”علمتني أمي عنها تقول إذا جت السنابس وراحت ويا أُمي العودة يزوروا بيت عمتها رضوية مرة علي بن عيسى فردان كانت ”تروي“ وياهم من عين السيف وعمرها تقريبا تسع سنين ”، رد خالي“ هذا صحيح أذكر جيتي ويا أمك العودة وخالتك زليخة كنت بعدني فريخ، نزور بنات عماتنا رضيوه وأم جاسم العبادي، والطريق مو بعيد من بيت بت عمتنا رضيوه إلى العين بس خمس دقائق مشي، هذا يا ولد اختي ما هو شيء قدام اللي بعلمك عنه، قبل لا يطلعوا عين السيف عن كلام أمك العودة، كانت نسوان وفتايا السنابس يطلعوا من غيشة الصبح ويدگوا مشوار مشي إلى وينه؟ إلى عين العودة عند قصر تاروت حتى يرووا الماي وكل وحدة على چتفها بغله - آنية فخارية - أو فنتين متروسات ماي ما يجوا إلا هم هلكانين وعلى رأسهم نقلة فياب، وكل يوم على هالحال رايحين وجايين، حياة نسوان ديك لسنين شقى في شقى، مساكين وحدههم جدلوا الماي من دون لرجال لأن عين العودة ما يوردوها إلا النسوان“ لسنين خلت أخبرتني أمي وجدتي عن حكايا جلب الماء!

العطش هو الذي دفعهن لتحمل المشاق، معاناة لا يدرك حجمها إلا من عاش ازمنة العذاب، ورأى بأم عينيه نساء تدرع الدرب من سنابس إلى تاروت سيرا على الأقدام بمسافة كيلوين ونصف، نسوة قادمات وأخرى غاديات، طوال اليوم، في عز البرد وسموم الصيف محملين على أكتافهن اكسير الحياة، ما أصعب المشوار حين يكون في شهر رمضان، مهلك، مضن، يأكلهن التعب، ويستنزفهن العطش، حاملات للماء لا يستطعن شربه والمسافة بين الكتف والفم شبرا!

كم نفذ الماي ليلا والأطفال عطاشى، وتصيح الأم، ”وين أجيب لك الماي في عتمة الليل“، يفزن من النوم من طلوع الفجر، ويقطعن دربا موحشا، مارين بطريق المقبرة، وأحراش غابات النخيل، يفزعهن نباح العواوي والكلاب الضالة، يصلن عند عين العودة، يستحمن على عجل ويرفعن حمولة مجهدة، ماء يتدفق على رؤوسهن والأكتاف، وبعد جهد جهيد يصلن إلى بيوتهن وقد تقطعت الأنفاس.

أصيح بأعلى الصوت لله دركن يا أمهات الأمس، أنتن صناع حياة.