آخر تحديث: 15 / 4 / 2024م - 10:37 م

حِيازَة أم مَفازَة

عبد الله أمان

يتحدث السواد الأَعظم مِن عَامة الناس، بغبطة غامرة، ودِِيباجة مُتَنافَلة، وحُرية عَفَوية، في عُمق خاصِرة، وحاضِر مُتغير عَالمنا المُعاصر، مُقيِّمين ومُحدِّدِين، ومُصنِّفِين ”حُظوظ وخُطوط“ مُكتسبات أَرزاق الشخوص المعاصرة مِن حَولهم، بما يمتلكونه مِن حُطام الدنيا: مِن أَرصدة مَالية بنكية مُتنامية، وأُصُول مُمتلكات عَقارية استثمارية… مُتناسين ومُتغافلين أَنَّ الإنسان عَينَه، يُولد على الفطرة؛ ويخرج إِلى الدنيا بصُراخٍ عالٍ - بمَشيئةٍ وقُدرةٍ إِلهيةٍ - إِلى سُدَّة أَحضان حَاضنة سِني حَياته المُقبلة الحانية، بعد أَن قُطِع برفق، حَبلُه السري؛ واستنشق بحلاوة وطلاوة، أَول شَهيقٍ مِن رَشفاتٍ سَلِسَةٍ وافيةٍ، بسَعادة

وهَناءة غَامِرتين، مِِن أَندى وأَحلى قطفة أولى مِن أُوكسجين الحياة… بعد أَن رَمقته ببَشَاشة؛ وأَكبرته بهَشَاشة، مُتسع حَدقات الأَنظار الفرِحَة المُستبشِرَة، بفَائق غِبطة، وكَريم نَظرة؛ وأَهدته، باهتمام رَهيف، عَريض ابتسامتها؛ ومَنحته، بإِكرام لَطيف، أِجمل انشراحها؛ وأَقرَّت طَويلًا بمقدمِه الميمون المُنتظر أَعين والديه المُتهللة المُغتبطة، في طُول وعَرض امتداد غَمرة سَماء الابتهاج الصافية…!

و”للمفازة“ المَنظورة المَحبورة وَزن مِعياري مَجازي آخر، وخط مَسلكي شَرعي أَكبر… وفي مُفترق لقاء أَثرهما الأَصيل الجليل، أَجل وأَعطر حِكاية، تتصدر حَبكتها المُختالة البِكر في مَيدان ”صَراحة البَراحة“ النضِر العبِق؛ وتستوجب - جمال صَدغ وَسَامَتها، وانتصاب عُود قَسَامَتها - أَشرف مَقاصد، وأَنمى غَايات، وأَعلى نِداءات أَبواق الفِطرة السليمة - بإدراجِها وإِدخالِها لِزامًا تِباعًا، في غُرة قائمة أَرقى مَحامِد المُعاملات الإنسانية السامية؛ وكذا إقحامِها عُنوة، في ناصية رِقاع أَجل مُحتوى سِلال وأَسفاط التعاليم السماوية السمحة، ومنها مَليء جوف السلة الإسلامية الحُبلى الداعية - قَولًا وفِعلًا ومَسلكًا - إلى أَريحية مَعارج السمو المُتسامي؛ والمنادية بشفافية، إِلى مَقام وشرف إنسانية الإنسان؛ والمتطلِّعة قُدُمًا، إَلى ناحية فضاء الارتقاء الملكوتي الروحي القائم بمَكانته المُّباركة المُبجلة، قلبًا وقالبًا!… إِذ يُحكَى نَقلًا؛ ويُنقَل تَواترًا، مِن بين وَقفات قائمة، ولَقطات شاخصة، مِن قديم صَيد عَدسة مُصوِّرة الزمن الغابر، أَنَّ رجلًا مُوسِرًا مَيسُورًا مُن عامة الناس، مِمَن يَركب فرسًا سَريعَا ”مُجنَّحًا“ مِن الصافنات الجياد؛ ويَقطن في عقر دارٍ فاخرةٍ وسيعةٍ، ويكسَب ماَلًا وَافرًا… ومع وتِيرة وسِيرة هذا الثراء البين، والسَّعة الجلية، والغِنى الظاهر، ومَنزلة الجاه الباهر كله، تراه شَامِخًا بأَرنبة أَنفه؛ ومُترفعًا بعريض أَكتافه؛ ومُختالًا في مِشيته المُتغطرِسة بين أَوساط سَائر الناس، في أَنحاء مُجتمعه، فلا يُخالط أَحدًا؛ أَو يُجالسن مَن هُم دُونه مَنزلة وقَدرًا؛ ولا يَتصدق بدرهم واحدٍ على فردٍ بَائس؛ أَو يُواسي رَجلًا مُفلسًا؛ أَو يَعطف على امرأَة ثَكلى؛ أو يَتبرع لأُسرةٍ مُعسِرة في صف المُعوزين، بدرهمٍ أَبيضٍٍ واحدٍ، مِمَّا حَواه جوف هِميانه المُمتلئ!

وعلى النقيض مَن ذلك المَسلك، كان بجانب دار ذلك الرجل الغني المليء، كوخ صَغير، حَقير، مُتواضع؛ يملكه رجلٌ فقيرٌ عائلٌ، يسعى، ويكافِح، ويكدَح جَاهدُا، مَتجشِّمأَ أَعباء المَشاق؛ ومتخطيًا صُعُد المَتاعب؛ لكسب أَدنى قُوت يومه… تراه مُمتطيًا صَهوة ظهر أَتانه العجفاء الهزيلة؛ ولكنك تجده - في جادة المسلك العملي - جَوادًا، سَباقًا، صَوامًا، قوامَّا، ساعيًا، بإِحسان وإِيمان، إِلى إِتيان فعل الخير، واقتناص إِسداء بذرة الإِحسان للآخرين، كُلمَا مَكنته فرصة الحيلة؛ وسَنَحت له مَأذُونية الوسيلة… مُتمثِّلْا مُتأَسِّيًا بِديباجة مَقُولة العطاء الخيرية الرصينة: «بادر بأِعطاء الشيء القليل، فالحرمان أَقل منه».

وهناك، في مُُتسع وَسَاعة مَيدان الحيازة الصغرى؛ وفسَاحة سَاحة جَارتها المفازة الكبرى، تتضح الخَفايا المُستترة برمَّتها، لمنظومة المُلابَسات الوهمية الظنية، لحقيقة الأَمر الجَلي الواضِح، للمتأَمِّل والمتدبِّر معًا؛ لتُرسم خطوط سَاطعة نَاصعة؛ يُستدل بوضوحها؛ ويُهتدى باستقامَتها، على مَحاج النجدين المُعبَّدين: الحِيازة التكسبية الدنيوية؛ والمَفازة المُنجية الجلية، المُوصِلة إلى طريق السعادة الراضية المَرضية - بلَذيذ مَوائدها السَّنِيِّة؛ وشَهي أَطباقها الهَنِية، بعد انقضاء آخر العُروض ”التسويقية“ وارتحال آجل المَواقف الاختيارية - الاختبارية؛ لتُرفع وتُدون نَتائج ووَقائع مَسلكهما القائم في ناصية أُصول رقاع قائمتي: الحيازة الدنيوية الزائفة؛ ومثلها، مَقام أُختها الرشيدة الكُبرى: المفازة الأُخروية المدَّخَرة… «وَأَن لَيس لِلإِنسان إِلَّا مَا سَعَى».