آخر تحديث: 26 / 5 / 2024م - 7:45 ص

أمي من فريق الأطرش «6»

عبد العظيم شلي

ينوح حمام النخيل على زرع أينع وحان قطافه، أبصرته العيون فرحة وبهجة، تشابكت الأيدي لجزه والبيع في الأسواق، وعلى حين غرة نهبه السراق، جفاف حل، ولد انسل، جوع عم، ساد الوهم، سقط النجم إنكفأ البطن، العيش ضنك، والفرار يباس، والرؤية سواد، خارت القوى.

أكفٌ رفعت والأدعية ملء الأفئدة، تضرعات وتوسلات لدفع الضر، بعد تسع سنين انكشف السوء وانجلى البلاء، ”ضحكت الدنيا بعد نور الشمس“ تحايت النفوس، هبت السواعد، زرعا وحرثا وحراك، عناقيد تدلت من جديد، مساحات خصب تسر الأنظار، أرض خضراء باركها الرحمن جودا وعطاء.

هائما بأحاديث الشجن، مسترجعا صور نبض السنين. تحكي لي والدتي بأن والدها حجي محمد حسين محمد سلمان هبوب، أراد أن يشتري منطقة ”الجبال“ كاملة ولكن عمل ”خيرة“ وأتى الجواب بالنهي!، ربح المكان رجل من دارين يدعى «لشليبي»، هو النصيب أو الحظ حين يبتسم ويعبس لناس دون ناس.

أكبر تفاني جميع المزارعين باحياء الأرض وقضاء سني عمرهم في عمارها بين حرث وزرع، وكأنهم أصحاب المكان.

ما أجمل منظر النسوة الحاملات فوق رؤوسهم صواني الغذاء إلى أزواجهن الفلاحين، يتخطفن وقت الظهيرة بين معامير فريق الأطرش ويعبرن الزروع والظلال، يفترشن سفرة دائرية صنعت من خوص، ويضعن في وسطها ”ماعون العيش“ رز موشح بالسمن البلدي، والايدام سمك أو ربيان، وجبة يومية مشبعة، مزينة بفردات رطب وتمر، وفجل وبقل و”شربة“ ماء. أجساد قوامها مائدة بسيطة، يقتاتون ما يزرعون وخيرات البحر ملك للجميع.

اللحوم الحمراء قليلة التناول، يقبلون عليها عند ولائم الأعراس والنذور، يأكلون ما يسد الرمق قانعين هانئين، بلغوا من العمر عتيا وهم بصحة وعافية، مؤمنين كدا بحي على خير العمل، لأن وقتهم حراك يومي في الحقل والبحر.

تقول أمي بعفويتها ومنطقها العقلاني البسيط ”ماشفت لأول أحد يمشي على عكاز أبدا، شرعوا فوق الفمانين والتسعين وهما اقواي، ماحد جالس، الكل يشتغل أما في المعامير يزرعوا أو ايدشوا البحر أو يباروا لحضور، ماقالوا تعبنا، والنسوان مفل، من قعدتها الصبح إلى زين تنام وهي تشتغل، تعابي البيت في كل شيء، ترضع وتربي الجهال، وتنفع الحياوين، تغسل لماعين ولفياب في لعيون أو في العانات، تسبح اولادها وتجي تطبخ وتخم، ماتستريح حتى دقيقة تفتر زي الدوامة. الحين يادافع البلاء زادت الأمراض، وكفرت العكاكيز، من ويش من الخيابة، وكفرت الگعدة اتبهت العافية، الأول بعد اكلهم طري بس الدبس والسمن مخزن، ماعرفوا اكل القواطي ولا عفايس بطنات المطاعم ولا أكلات نصايف الليل، الاول كل وحدة تطبخ اكلها في بيتها بنظافته وسناعته، الحين الكل عاجز والكل مو قادر، آه ويلي، ركبتي، صنيفي، ظهري، وكل شي يعورهم، كبو كبو تحتي الماي ما اقدر اشربه“.

كلما تحركنا أتى النفع لنا نفسيا وجسديا ومعنويا، ففي الحركة تحل البركة، «اسع يا عبدي وأنا أسعى معاك»، رزق وخير وعافية.

أعيش النعيم في ربوع فريق الأطرش بين الماء والخضرة والوجه المبتسم، طيبة لا متناهية تشع من لدن النساء والرجال على حد سواء، هم أقاربي وانسابي ومعارف وجيران أهلي، عاشوا بين زروعهم الفاتنة التي انعكست على أخلاقياتهم، هم أهل نخوة وحمية، عند الملمات صفا واحدا.

أركض حافيا بين الظلال ونداوة الأرض، وأتسلق النخيلات الصغيرة، أُفتش بين السعغات عن أعشاش البلابيل والعصافير بغية سرقت فرخ لم يقوى بعد على الطيران، أسطو على الصغار ولكن يدي ترتجف آخذ واحدا فقط وأترك الباقي فاتحين أفوهاهم في انتظار زاد أمهم، نيتي بأن أطعم الفرخ قطرات ماء، وفجأة يغمض عينيه نتيجة حركة أناملي العابثة والمرتبكة يداهمني الحزن حين يفارق الحياة، أكاد أبكي حين توبخني أمي ”مو زين عليك من الله، اترك العصافير لصغار في اعشاشهم ولا تقرب صوبهم فاني مرة“، لكن جدتي تأخذني بالاحضان وتهمس في اذني ”تقبل احد يأخذك من امك“!

إن شاء الله يا أُماه، سمعت نصيحتها مخاتلا، فالشقاوة تزين السطو على الأعشاش، دنوت مرة لأخذ فرخ واذا الأم على السعفة بالقرب مني تراقب، أحسست بالرأفة وتخيلت نفسي مكانها، تألمت وروح العاطفة تجلت أمامي درسا بليغا. ما أقسى على الكائن أن يهجر من عشه، ويبات في العراء.

أصحيح يا أماه مر على بلدنا ناس ناموا في العراء وماتوا من الجوع؟ طنت أُذني من هول ما سمعت لما حل بالديار من بؤس وفقر وأوجاع، أجساد واهنة والناس حيارى! من يتصور كم من الويلات قاست هذه الأرض وكم من مصائب فتكت بالعباد، مشاهد تعصر القلب، هي ”سنة المطاقة“ «البطاقة» شح فيها الأكل وقلت المواد الغذائية الأساسية، لا سكر ولا رز ولا طحين، ولا حبوب تصل للأسواق، كل السفن التجارية معطلة لا أحد يجرؤ على الابحار، الملاحة متوقفة، لا تصدير ولا توريد بسبب أهوال الحرب العالمية الثانية.

قننت الحكومة توزيع الغذاء لما هو مخزن من طعام عبر بطاقة، بموجبها تصرف مؤنة محددة لكل أسرة بما فيها التمر، وحين طال أمد الحرب من «1939- 1945» زادت المعاناة أضعافا مضاعفة، ستة أعوام لحرب ضروس أهلكت الحرث والنسل وقضت على 70 مليون انسان، امتدت توابعها وارتدادتها ثلاثا بالنسبة الينا، بمجموع تسع سنين فقر وهلع وخوف وسطو، الهزال نهش الأجساد والجوع فتك بالعباد، مجاميع من الأطفال قضوا نحبهم من الأمراض والأوبئة، صدور النساء جفت، وعيونهن لا تتوقف عن النحيب، توزعت مقابر صغيرة عند المساجد، ظلت علامتها إلى عهد قريب شواهد مغروسة من كرب النخيل أمام كل محراب.

مسجد عزيز، مسجد الشيخ علاء، مسجد الشيخ علي، مسجد الشيخ محمد بسنابس، مسجد نخل الغالي، ومسجد بالقرب من سوق تاروت - ازيل بسبب مرور الشارع العام - سنين عسر والناس في مصائب والهول عظيم، من يصدق الجحيم الذي عاشه الأجداد أثناء الحرب الثانية من شح الطعام والمعنون بسنة ”المطاقة“، هو ابتداء سنة الصرف بالبطاقة بحلول 1360 الموافق 1940م إلى أن وضعت الحرب أوزارها.

وعن عذابات تلك السنين المهلكات، تفتقت قريحة الشاعر الشعبي عيسى بن ناصر فضيله، من أرض الجبل بتاروت يصور احوال الناس:

زالت أبراك الأرض واذهب غناها.. وتعطلت منها المجاري والأكوان

ياجامع للمال تحظى بلظاها.. من أجل ما ترحم فقير وجوعان

والأغنيا بالمال شح عطاها.. والفلك واقف ينتظر صوب ديان

كم مرة بالدرب تمشي بعراها.. نكس سواطرها الحيا وزود ليمان

ماعندها ستر ودلي غطاها.. عن عين ناظرها وضعيفين ليمان

وطفالها من الجوع ذبلن شفاها.. تريد المعيشة وطالب القوت عجزان

البحر لو يسقي مابل فاها.. البحر لو يسقي الفضا صار دخان

هذي ثمان سنين تطحن قصاها............. *

والتاسع لمن بلغ منتهاها.. ضجوا بجاه الله شيوخ وشبان

إن هذه القصيدة الشعبية تصور معاناة مجتمع الشاعر وما رآه من أهوال، هي ممتدة جغرافيا لما هو أبعد وأبعد، والأنكى من ذلك ما بلغني على لسان والدتي بأشياء لا تصدق حيث تقول ”أخذت الولد ورحت بالسوق بابيعه.. ضحك لي بسنه وعييت مابيعه“.

مسوى الفقر بتروح تبيع ولدها حتى لايموت وتأخذ بقيمة بيعته ليها أكل حتى تعيش، ناس باعوا اولادهم وباعوا بيوتهم، شوف الحين قامت الناس تلعب بالنعمة - معقولة يا أماه أحد يبيع ولده - يقولوا صار في ذيك لسنين وقبل حتى المطاقة واللي باعوا بيوتهم واجد، والله ما ادري ياولدي هذا اللي سمعته أني ماشفت بعدني ما أخلق، صدق چدب بس ناس واجد اتحچوا عن أيام الفقر ومصايب سنة المطاقة بسبب حرب ههتر ”. تقصد «هتلر» واستذكرت شعر آخر“ ياهي سنة سنت علينا بجورها وجفت، وحقوقها علينا الغادرة وجفت" وغابت عنها التكملة، ثم أردفت بأن نساء كثيرات ليس عندهن أي شيء تطبخه، حيث لا يوجد شيء، ”باحشي شي ولاعندي شي“ و”أگزر انهاري على نهيك حماري“ تنتظر متى ينهق الحمار عل وعسى تحصل على أي شي، تطبخه.

إن كان ثمة تراث شفاهي مؤلم تناقلته الألسن يصعب تصوره، هناك مجتمعات مرت بماس ومحن، وصفحات التاريخ ملئ بالفضائع والحروب والكوارث،

وما مر بنا قبل سنة أثناء الوباء الأخير هي أحداث زلزلت الانسانية كافة، لهو دليل على تجدد المحن والخطوب. لو دونت معاناة كل عائلة على حدة في الأزمنة القديمة التي عاشها الأجداد بما فيها سنين البطاقة لقرأنا العجب العجاب، وثمة أشياء من الصعب ذكرها يندى لها الجبين، يكفي بأن الأفواه أكلت الحشائش!

ما أروع فعل الخطباء حين يرفعون أكفهم أمام السامعين ويتلون الدعاء المعتاد عند نهاية كل مجلس ”اللهم آمنا في أوطاننا.. اللهم أدم علينا نعمة الأمن والأمان“ وهنا الأمن بمعناه الشامل والواسع. ماض يفوح بحلوه ومره يتقلب بين المسرات والأوجاع، زوداني به تباعا والدتي وخالتي زليخة وخالي حسين هبوب وباسترجاع أقوال جدتي تحت ”عرايش الگيض“ وهبوب نسائم الشمال.

فضاء فريق الأطرش سلام وأمان وهواء عليل يوقظ كل الحواس.