آخر تحديث: 14 / 4 / 2024م - 8:26 م

حرب أوكرانيا وتأثيراتها الدولية

يوسف مكي * صحيفة الخليج الإماراتية

في مقالات سابقة، أشرنا إلى أن كل تغير جوهري في العلاقات الدولية، يستدعي خوض حروب يقرر المنتصرون فيها شكل النظام الدولي المنبثق من رحمها. هكذا كان النظام الدولي الذي انبثق من نتائج الحرب العالمية الأولى، والذي عبّرت عنه وثائق فرساي. وهكذا أيضاً، انبثق النظام الدولي الراهن، بعد الحرب العالمية الثانية، بثنائية قطبية.

وكما ترنّح النظام العالمي الذي ساد قبل الحرب العالمية الأولى، بسبب شيخوخة السلطنة العثمانية، والأزمات الاقتصادية المستعصية التي مرت بها ألمانيا، وصعود نجم القوتين البريطانية والفرنسية، فإن ذلك النظام ترنح مرة أخرى، بعد الحرب العالمية الثانية، بسبب الصعود القوي للاتحاد السوفييتي، وخروج الولايات المتحدة بقوة من خلف المحيط، إلى قلب العالم، وأيضاً بسبب الهزيمة الفرنسية في الحرب، وتضعضع القوة الاقتصادية البريطانية. وقد عكست نتائج مؤتمر يالطا توازنات القوة في حينه.

الوضع الذي ساد في العالم، منذ مطالع التسعينات، كان نشازاً في التاريخ الإنساني، إذ لم تتفرد من قبل، حسب علمنا، قوة واحدة في الهيمنة على السياسة الدولية. ولأن هذا الوضع كان استثنائياً في التاريخ، لم يُقدر له أن يستمر طويلاً. وكان أول مسمار في نعش الأحادية القطبية جاء من الغرب، حين هددت فرنسا باستخدام حق النقض تجاه أي قرار يصدر عن مجلس الأمن الدولي يجيز احتلال العراق.

وسريعاً استفاق الدب القطبي من سباته، وجدد ترسانته العسكرية، وعاد بقوة على المسرح الدولي. وتزامن ذلك مع اكتساح التنين الصيني، للأسواق العالمية، وبشكل غير مسبوق في التاريخ الحديث. ولأن كل تغيير في موازين القوى العسكرية والاقتصادية يستدعي إعادة النظر في ترتيبات وشكل النظام الدولي السائد، فقد كانت كل المؤشرات تشي بأننا على أعتاب انبثاق نظام دولي جديد، يتكئ على حقائق القوة الراهنة.

لكن الحسم في ذلك، كما أشرنا، يحتاج إلى حروب كبرى، تعكس حقائق التغيرات في موازين القوى. ولم يكن بالإمكان أن يتحقق صدام عسكري مباشر بين تلك القوى، بسبب وجود سلاح الرعب النووي. ولذلك، أشرنا مراراً في مقالات سابقة، إلى أن الانفلات الأمني الذي ساد معظم أرجاء العالم، وكان للمنطقة العربية حصة الأسد فيه، هو شكل آخر، من الحروب العالمية، تحسن من خلالها القوى الكبرى الصاعدة مواقعها. إن ذلك يعني أن النظام الدولي المرتقب سوف يتحقق بالتراكم، وليس بالضربة القاضية، كما كان المعتاد في النظامين العالميين المنبثقين من نتائج الحربين الكونيتين: الأولى والثانية.

والحرب التي تدور رحاها الآن على الأراضي الأوكرانية، هي وسيلة أخرى، من وسائل التعجيل في انبثاق النظام الدولي الجديد، وربما تكتب شهادة وفاة النظام الدولي الراهن. وحين نجزم بهذا الأمر، فإننا لا نقرر ذلك من عندنا، ولكن ذلك تؤكده تصريحات جميع الأطراف المنخرطة في هذه الحرب. فالأمريكيون والبريطانيون والألمان والفرنسيون، يقررون على ألسنة كبار المسؤولين في هذه البلدان، أن العالم بعد هذه الحرب، لن يكون كما كان من قبل.

وبالمثل، يعلن الرئيس الروسي ووزير خارجيته، أن هدف الحرب، هو ضمان المساواة وتكافؤ الأمن في القارة الأوروبية، بما يعني انزياح «الناتو» عن شرق أوروبا. وذلك هو السبب الجوهري لإشعال روسيا الحرب ضد أوكرانيا، والذي عبّرت عنه إدارة بوتين في مجموعة من الرسائل التي باتت واضحة للجميع.

العالم الآن يتجه بقوة نحو سياسة المحاور. وليس صحيحاً ما تقرره الإدارة الأمريكية، من إمساكها بكل أوراق اللعبة. فهناك دول كبرى، كالصين والهند والمكسيك وجنوب إفريقيا، لا تشاركها الرؤية، وهي أقرب بكثير إلى تأييد سياسة روسيا الراهنة. وكان موقف الصين والهند واضحاً في مجلس الأمن الدولي، حيث امتنعتا عن التصويت لمصلحة الأمريكي.

وقد كشفت المكالمة الهاتفية التي أجراها الرئيس الأمريكي، مع نظيره الصيني، عن بون شاسع في الموقف من الحرب في أوكرانيا. بل إن الزعيم الصيني اعتبر طموح أمريكا في تمدد «الناتو» لشرق أوروبا، هو المسؤول عن هذه الحرب، واتهم الغرب، في وضع روسيا النووية بالزاوية. وأكد مرة أخرى، المطالب الروسية في أن تستند العلاقات بين الدول الكبرى إلى التوازن والندية والمساواة.

وهناك محللون سياسيون يرون أن أمريكا تسعى لأن تعيد الأوروبيين، من خلال هذه الحرب إلى بيت الطاعة، وأن تلجم السياسات الاستقلالية التي بدأت تعبر عن ذاتها لدى قادة أوروبيين، لتستمر هيمنتها على القرارات الأممية. وهناك من يعتقد جازماً أن السحر سينقلب على الساحر.