آخر تحديث: 20 / 5 / 2024م - 5:03 م

أمي من فريق الأطرش «2»

عبد العظيم شلي

فريق الأطرش مكان أثيري، تتزاحم فيه صور الماضي، وتختلط الذكريات، مشاهد عبقة لم تزل تحيا في الوجدان تنعش القلب وتأسر الحواس، معامير فريق الأطرش من أروع بساتين جزيرة تاروت، خضرتها متلونة بدرجات، وثمارها من كل صنف ولون، جذوع النخل منتصبة على مرمى البصر بعنفوان، مزروعة في خطوط مستقيمة ضمن مساحات متساوية، تعلوها ”جمارة“ متقدة يبرز من ”الفگر“ طلع نضيد، وينتشر سعفها نحو الجهات الست، يداعبها الريح كشعر فاتنة حسناء، كثافة وتشابك سعف بسعف، تراقص في مزاح، حفيف لا يهدأ يناغيه جوابا خرير متدفق من فوهات أنابيب العيون، ترتشف العصافير من ماء ”السمط“ المؤدي لسقي نباتات الضواحي، تسفق بجناحيها تمرجحا على الأغصان، وعند اطلالة الربيع تغرد البلابل برقصات التزاوج، عشق غرام مع هبات النسيم، تأتي الطيور الموسمية ومعها يحلو الحبال، أفخاخ الأولاد والشبان مدفونة تحت حفنة من تراب يبرز منها ”عنگوش“ طعم للأصرد والمدگي والحمامي والدمياني والشرياص والسمنة، أشكال طيور ذات أنغام وألوان، تجوب فضاء فريق الأطرش أسراب وأسراب، تحليقات رسل محبة وصفاء مودة لألفة مكان مفعم بسيمفونية الربيع.

وبين المنظور الفاتن والمحسوس المدرك ثمة حكايات منسية لأحداث واقعية تقادم عهدها، مثقل بها بمعزة المتيم، والمتتبع لأثر من كبروا في السن ومن رحلوا، صورهم في القلب مشاهد حية، أصخت السمع كثيرا لمرويات أهلي وعنهم أنقل ما عاشوه زمنا قبل أن أخلق ويوم كنت صبيا.

فريق الأطرش مهوى طفولتي وأحلى سني عمري، يأخذني حنين لتلك الأيام الخوالي و”براد لفاد“ هواء الشمال يناديني بصحبة خالي حسين هبوب وأبناء خالتي «الصفار» وأولاد خيلان والدتي «آل زرع» حيث يسكنون ويزرعون، أطياف بهجة وسط المعامير تلف كياني وتهزني هزا، ارتعشات مسرة والنعيم إسمه فريق الأطرش، قلبي يهف لمكان عزيز علي، فقد بارك ذلك النخل مقدم أمي مريم وشهد صرختها الأولى، أكلت من رطبه وخيراته وقوي عودها، وطاب لها المقام أربعة عشر ربيعا، وبعد عام زفت عروسا، أخذت طفلة من الجنائن النضرة إلى جوف الديرة المسورة.

من كيانها تخلقت بإعلان أول حمل لها سنة 1960، وفي الشهر الخامس ذهبت لأداء فريضة الحج وزارت المصطفى ومقامات البقيع، وحلمت وهي بالمدينة المنورة بأنها سوف ترزق بولد، وحين لاحت بوادر أوجاع المخاض أسرعت عند أحضان أمها لتأنس عندها وتداريها «تعابيها» سعة من خدمة، أنجبتني على مسافة ليست بالبعيدة عن مكان ميلادها، وأسمتني عبد النبي لأن حلمها تحقق بجوار النبي، وبعد خمسة وعشرون يوما عادت لبيتنا المطل على قلعة تاروت تحملني رضيعا بين أدرعها، أبكي طوال درب المسير، ويتغير اسمي نتيجة اصرار أبي، استجابت أمي طوعا، وقبل أن تفطمني خرجنا من بيت العائلة القديم بسبب ضيق المكان، ودّعت أمي زوجة حميها عمي عبدالله، السيدة نجيبة الشبركة أم ميرزا شلي - عمة السيد عباس وماجد الشبركة - ووالدتها أم السيد أمين، ذهبنا إلى نزل بالإجار يدعى بيت لحسين، تماما مكان مقهى تاروت الشعبي حاليا عند مدخل الديرة من جهة السوق، وكلما حملت أمي ورزقت بمولود تأتي المصادفة بالانتقال إلى بيت آخر وبالإجار، انتقلنا إلى سبعة بيوتات وكلها داخل نطاق الديرة، فقط الأخير اصبح ملكا لنا في منطقة الحسينية، تماما يساوي عدد مرات حملها، أربعة أولاد وثلاث بنات! ولي أُخت أكبر مني اسمها «زهراء» من زوجة أبي القطيفية.

تخبرني أمي بأني مشيت باكرا، لكنها تصر على حملي بعمر السنتين لمسافة كيلو متر سيرا على أقدامها لتحط رحلها شوقا إلى أمها ليلى أم علي.

آه يا جدتي أيتها الفنانة في حياكة السراويل والبخانگ وتطريزات القحافي وبقشة التربة والمسابيح، وجهك مزدان بالبشرة وأناملك مستفزة لسف الخوص، أنست الوقت استثمارا في انتاج الحصر والسفرة، والگفيف والمراحل والزبيل، في حضنك سمعت سوالف الديدعات والعفاريت والجن، وكم أفرحتيني بدندنات الأهازيج والحكايات الشعبية، نافستك بنتك، والدتي مريم بسرد القصص ومواويل الأمس وترديد أنغام الطرب العراقي الأصيل من زهور حسين إلى حضيري أبو عزيز،

التقطت تلك الأنغام وهي بعمر التاسعة، عبر راديو منتصب وسط بيت بت عمتها أم أحمد قاسمه «الخباز»، منزل عشيش في نخل لحبيبين، مكان جذب للنسوة حيث يحلو السهر على ضوء القمر والرفقة براءة عمر، أمي وخالتي زليخة تمسكان برداء أمهما بعد وجبة العشاء لتصحبهن عند جلسات سف الخوص وخياطة الملابس، صغيرات يقمن ”بتبكير لقداوة“ للأمهات وصب القهوة مع بنات خالها حجي حسن وحجي عبدالله آل زرع، والمكافأة الاستماع لأنغام المذياع الساحر وسط بيت قاسمه، تسابقن في ترديد الأغاني بشفافية الطفولة، ينشدنها وقت العصاري، واحدة تضرب بالملاس على صفرية وأخرى تنشد اللحن تقليدا، ”يا الله نغي أغنية زهور لا لا احضيري أحسن“، «عمي يبياع الورد گلي الورد بأيش.. قلي، بالك تدوس على الورد.. وتساوي خله.. خله، باچر يصير احساب يبه.. لله شتقله.. لله، والمر يا هالمخلوق ترى.. لاجله جرعته.. جرعته، مو كل ورد سموه ورد.. والريحة طيبة.. طيبة، يصير ورد مو خوش ورد.. رأسك يشيبه.. يشيبه، ورد زرعته خوش ورد.. بإيدي زرعته.. زرعته، من دجلة والفرات يبه.. ماي انا جبته.. جبته».

تتصاعد ضحكاتهن، وهن يصفقن الراح بالراح، تبرز أقمار وجوههن من بين تطريزات البخانق، مغردات كالطيور وسط خضرة غناء تحف بهن من كل الجهات، وجوه صبوحة بعمر الورد يأكلن ما تجود به الأرض، يتراقصن الحجلة والمخطة ويلعبن ”الخشيشو“ ويتلاقفن ”لحجيرات“، يدركن الوقت من تحرك ظلال النخيل وما بين لحظات الأصيل يرسمن أمانيهن دعاء أن يرزقهن الله عريسا غنيا ليحججهن ويزورهن عاما وكل عام، حراكهن بين الجد والمرح واللعب بشاير هناء وحب، يتسابقن سعادة بجلب الماي من نبع البساتين في شربات ومساخن فخارية، يمشين بين ”العانات والأسياب“ ونعومة العشب تداعب أقدامهن، وعلى صدورهن قلايد من خلال، يتمرجحن بحبل مشدود بين نخلة ونخلة، وينشدن «چيس ربابي في المخابي رنة حجول.. عريش مقابل الشمالي اسمع يا بلبول، طليت عليك يا حضرتي من دون لحضور.. رحت للمايه سگي ما صدت حاگول، عبود ولد عبد النبي يتغذى بحلى.. وديچ يزعگ في الحوي يا عيال عبود، عباس ساق حمارته يبغى المنامة.. شرطت عليه إمريته خذ لك عمامة، خذ لك اوزار مشخبطي حتى تصير حليو»، يتبادلن أدوار اللعب ”اني اني.. دوري دوري“ حبات رطب، تتساقط على رؤوسهن، يقضمن اللوز ويأخذن العنگيش بتلوين شفايفهن، ويقطفن، الرمان، ”هذه حالية لا.. هذه أحلى“ براءة لاهية في حضن جنائن فريق الأطرش الساحرة.