آخر تحديث: 15 / 4 / 2024م - 10:37 م

نار بلا دخان.. حدث وحديت ”11“

عبد الله أمان

دأَبت بعض الثقافات العريقة، على قُبول وتَبني هذا المَثَل الشائق الرائق، بعفوية ورَحَابة صَدر، في خِضَم صَميم وعَميم أَوساطِها الاجتماعية القائل: «لَا نَارَ بِدُون دُخَان» … ويُضرب هذا المثل الصادح الصادع، عادة، لِمَن أراد أَن يُحقِّق أهدافه المصيرية؛ أَو يصِل إلى نهاية نجاحاته المرتقبة، دُون بَذل الجُهد المطلوب؛ أو إظهار المُثابرة الجادة؛ أَو القِيام بمبادرة السعي الدؤوب؛ لتَحقيق وتَوطيد تلك الغاية المَحمودة المَنشودة، سِيرة ومَسِيرة؛ أَو إِنجاز ذروة ذلك المطلب المُبتغى، قلبًا وقالبًا… مُحتسِبًا صابِرًا على التعب والنصب؛ ومُتحمُّلًا عَثرة الإخفاق الفظيع؛ ومُتجاوِزًا كَبوة الفشل الذريع؛ ومتجشِّمًا مَشقة الطلب السريع... غير أَنَّ تأَجُج النار، وتَوهُج شَررها، ومُكابدة شُرورها يصاحبهما عادة، احتراق شديد، واشتعال حَثيث، مَخبُوءان بأَطراف أَلسنتهما المحترقة، بكثيف سواد دُخان عالق خانق…

ولا يقتصر وينحصر مَفهوم ومَنظور الاحتِراق والاحتِدام ”الفيزيائي - الكيميائي“ بمعناه المحسوس الأَوحد، بل هنالك دَلالات، وشَواهد، وإِشارات، تنبئ وتعلِم بها مَنابع، ومَوارد حَواس الفرد المُتأزم المُضطرب، بأَنه يَرزح تحت طَائلة الضغط النفسي؛ ويَبوء بوَطأَة الإِنكسار؛ ويُمنى بأَلم حَرارة إلإِندحار؛ ويُصارَع بشِدة ضَيق الصدر،؛ ويُواجَه باتقاد لظى اللهيب الداخلي المتمكَّن… تلك المُؤشرات البارزة، والمُؤثرات النفسية؛ مُنفردة، أَو مُجتمعة، تسبب اختلالًا وِجدانيًا؛ واخترافًا عاطفيًا؛ وتؤول إلى عدم تعادل سَوية مَخبر التوازن النفسي الطبيعي… وكأَن ناتجا الهدم والاحتدام ”الفسيولوجي - النفسي“ المحسوسان يَتصعَّدان بثِقلهما المُتسامي؛ ويصِلان بأَليم وَجعِهما المُتنامي إِلى سائر صِهاء الحواس؛ ويأسُران بحماقة، واضح نَواصي الفكر؛ ويؤرِّقان - بإصرار وإِلحاح - ناصع صِهاء الوجدان!… عندئذٍ يُصبح الفرد أقرب إلى حال المُتقوقِع المُتسمِّر، أَمام بوابة مَرامى طائلة الهَم؛ ويُِمسي مَاثلًا في مُقدمة مَعِية مَواطئ غائلة الغَم… وفي مَستور ومَكنون حَافظة جَعبتي الراهنة المُتوقدة ”حدث وحديث“ لا أكَاد أَنسى أَدق تفاصيلهما المُثيرة، ما حَييت؛ مُتسمةً أَصغر جُزئياتهما بموقف الإِكبار؛ ومُبجلةً أَدنى مُفرداتهما بفائق الشكر؛ ومًتوشحة فصيح دِيباجة حَبكتهما برائق العِرفان؛ ومََحفوظة توطئة، ببنائهما المنسوج بأَجلِّ مقاصِدهما، في أَقاصي ذاكرتي، بجميل الثناء؛ ومَنقُوشة بامتياز، في باطن دفتيهما، بعظيم الامتنان؛ رغم مُرور ما يربو على النصف قرن، على بروز شطء حَبكة الحدث، ونشر فَاتحة الحديت، في دَورة سَالف الزمن المتصرِّم!

هذا وقد ارتقى واستوى شَطء الحدث المنظور شَاخصًا مُستويًا، باستقامة عُودِه، على صَهوة خَشبة مَسرح الوجود؛ وزاهيًا بقسامة زَاوية حُضوره على مَسرح الحياة المُثيرين… وفي وُعُورة مُنزلِقة، مِن هِضاب وأَزقة ديرة قلعة جزيرة تاروت العريقة، بالمنطقة الشرقية؛ وتحديدًا في صَيف إحدى الإِجازات المدرسية، حيت كنت وقتها أناهِز السنة العاشرة مِن عُمري؛ أما الزمان المؤكد، فكان بعد عصر يوم قائِظ رطِب، إِذ قادتني دبيب أقدامي النشطة إلى السير الحثيث مَاشيًا مُنفردًا مِن وَسَط الديرة، مُتجهًا شرقًا، إِلى بلدة سَنابِس العريقة، المتاخمة لمياه الخليج الزرقاء؛ حَيث وصلت هناك قبيل المغرب، إلِى مَنزل خَالتي، يرحمها الله تعالى؛ وهُناك - في أَحضان بيت الخالة - حَظِيت بفَائق الاستقبال، وأِنِست بكرم الضيافة؛ وحِينئذٍ، أصرَّت عليَّ الخالة المِضياف وَقتها، بالمبيت في بيتها؛ مُبرِّرة بأَنَّ الليل قد أَرخى سُدُوله، وأَنا مَازلت طفلًا؛ عَلاوة على أَنَّ التيار الكهربائي لم يظهر إلى حَيز الوجود بعد، آنذاك!… ذلك الحدث الطارئ، والموقف الحازم المُدعَّمان بقرار الخالة الصائب، سَببا وأَلهبا وأَشعلا قلقًا بارزًا، وضَيقًا شديدًا في صَميم أحَاسيس، وحَاضر وِجدان الوالدة السعيدة، يرحمها الله تعالى، في عُقر مَكانها البعيد؛ وقد صَدَقَها، وأَحسنَ مَثواها، ورَبطَ على قلبها، لحظات وهنيهات حَدَس التخاطر الصائب الثاقب؛ إِذ وصلت ذروتها، بسهولة ويسر، إلى أَعلى مَراقي شفافية مُخترِقة نافِذة، لجدران سَميك أَغلفة الظنون المُتواردة، إلى باطن خلايا شِغاف قلبها المُلتهِب، مُثْبِتَة، بنَباهةٍ وحَصافةٍ، بأَني مَوجُود ”حيٌ أُرزق“ في بيت خالتي… فلم يَهدأ لها بال سَهل رَائق، أَو يَرتد إِليها نفس سَلس حَاذق للحظة، حتى عَزمت وحَزمت أَمرها على الانطلاق الرشيق مَشيًا على الأَقدام، مِن حَي مَحط أَطراف الديرة، إلى بلدة سنابس، حيث تبعد أكثر مِن عَشرة كيلومترات، ذهابًا وإِيابًا، وقد اصطحبت رفيقة دَربها: جارتها المِطواعَة، يرحمها الله تعالى، التي لبِّت الدعوة المُواسِية سِراعًا، واستحسانًا، بصدر رَحِب… وانطلقتا: الأُم الحنون، والجارة البارَّة، يرحمهما الله تعالى، برحمته الواسعة، وهُما تخطان ثرى الأَرض خطًا، غير مُكترثتين لِلَّهيب اللحظي المُتَّقد لِغياب الولد الصغير ”اليتيم الأَب“ بعد أن أَعلنت باكورة حُمرَة الشفق الخَجِلة، في الظهور والانتشار المُبكرين، في أَعلى الأُفق... والغريب في مُلابسات سَعيهما المشكور، وهَواجس صَحوتهما المباركة، أنَّ سِلاح الصبر، ومُديَة التؤدَة، وتَجاذِب سَلاسة أَرقِّ الأَحاديث القلبية الشائقة، بين الجارتين المتآلفتين، كانت وَسيلة النقل المريحة لرحلة الرفقة الشاقة الشائقة؛ ومَطيَّة رَشاقة النفرة النوعية المُخَفِّفَة؛ وكانت مُحصلتهما كالمِصفاة الحقيقية، لدُخان النار المُشتعلة في أَعماق قَلب ومَشاعر الوالدة الرؤوم؛ ومِثلهما مُواساة و”فَزعَة“ جارتها الوفية، بانبثاث وانتشار ذلك اللهب الحارق؛ وصِنوهما نفرة الدُخان الخانق، مِن جانب بيتنا العتيق، القابع في قِمة هَضبة الديرة العريقة.

هذا، وبعد أَكثر مِن ساعة في مُتعة مَسيرة رِحلة مِشوارهِما المتآخي، وصلت الجارتان الثنتان إلى بيت الخالة؛ وبعد مُجاملات وأُصول الضيافة؛ ومُشافهات الترحاب المُعتادة، وحُصول الاطمئنان المستأنس لهما، هَبَّتا، وعَاجَلتا الجارتان الحانيتان بإِلقاء نظرة سَريعة على الطفل النائم في ”سابع نومة“ لتستأْذنا - بلَباقة وكِياسة - بإعلان العَودة السريعة إلى مَضاجعهما، على الفور؛ ولتُكملا مِشوار دَورة الطريق الشاق، بعد أَن سَعِدتا ونجحتا معًا، بإِخماد أَصل جَذوة النار؛ وكَتم سائر لهبها؛ وتبديد أَثر شَائبة الدُخان الخَانق المَارق، جُملة وتَفصيلًا!

وهكذا تَرتقي وتَنتشي إرادة وعزيمة الإِنسان الذاتيتين، أذا مَا حَلَّت بواديه العامر المُزهر صُرُوف الدهر الناطِحة؛ وأَناخت بقُرب داره المَعمورَة المَحبورَة نكبات المِحَن الماحِقة، وداهمته سِراعًا تِباعًا، بوَقع وصَقع، مُدلهماتها الكثيفة؛ ونَاوشته وعَاركته مُفجعات الأَيام السقيمة؛ وصَارعته وصَرعته نَائبات الليالي العقيمة!… وفي وَطأة، وشِدة، وحِدة تأَجج حُرقة اللهب النفسي الضاغط، وَسط أَفراد المحيط الأُسري الآمن، تجد الآَبويين الحانيين، أَول مَن يَتلقى طَعنة مَكيدة مُسددة، بعريض منكبيهما؛ ويُنازعان سِنان الصدمة المُوجِعة، بتوقد وتوهج أَلم نارهما الهادم الصادم، وسَائر لَهيبهما المَارق الخَانق، بارتِداء كِمَامَة ذاتية واقية؛ واكتِساء صَنعة لَبُوسٍ حَاميةٍ؛ وسَترٍ حامٍ مِن حَصانة ورصانة الصبر الجميل؛ وسُترة تحتية واقيةٍ مِن إِطاقة الحِمل الثقيل؛ واحتمالٍ مَقدُور عليه؛ لحِماية، وسَلامة، وأَمن، وحِفظ جَمع الأَنجال الأَوفياء، وفلذات الأَكباد النجباء، مِن مُغبة التعرُّض للأَذى؛ أَو الاستهداف لطَائلة الضرر الزاحفتين، بسفالة ورذالة؛ ووقفهما بتَفانٍ ووَفاءٍ، وتدخلٍ ذاتيٍ أَصيلٍ، مِن نَجابة، وسَماحة الأَبوين الراشدين، مَا دَامت أقدامهما الثابتة تخطان في ظاهر أَديم الأَرض!… حِينها، أَضَاءَ وأَنَارَ وأَشادَ قول خاتم الأَنبياء، وسيد المرسلين - عليه وعلى آله وصحبه، أَفضل الصلاة، وأَتم التسليم - بحَفز وِجدان، وحَث طَوِية البشرية جَمعاء؛ مُوصِيًا ومُؤكِّدُا بأَن: «الجنة تحت أَقدام الأُمهات».