آخر تحديث: 14 / 7 / 2024م - 9:05 م

بشائر خير بين ميزان المنظور العلمي والمسؤولية المجتمعية

ناجي وهب الفرج *

تُطالعُنا البياناتُ الصادرةُ عَنْ الجهات المعنية خلالَ الأيامِ الفائتةِ ببشائرِ خَيْرٍ عَنْ انحسارِ مرضِ المتلازمةِ التنفسيةِ «Covid 19» وهو الآنَ في مراحلهِ الاخيرةِ، لكن يجب ألا نغفل أننا ما زلنا في طور المواجهة وعلينا عدم التهاون والتساهل في اتباع التوصيات والتعليمات الواردة مِنْ الجهاتِ ذاتِ العلاقةِ. ويأتي ذلكَ كلهُ لما تمَ بذلهُ مِنْ جهودٍ كبيرةٍ ودعم سِّخيٍّ لا محدود أولتهُ وقدمتهُ حكومةُ المملكةِ في هذا الاتجاهِ بتوجيهٍ كريمٍ ومتابعةٍ حثيثةٍ مِنْ قيادةِ هَذِهِ البلادِ الرشيدةِ. [1] 

ولنأخذَ هذا الوباء ونتناولهُ مِنْ الجانبِ العلمي التَّخَصُصِي الصرفِ بعيدًا عَنْ تنظيرِ غيرِ المختصِ؛ ومؤدى ذلكَ حسبَ الرؤيةِ العلميةِ بأنَّ مسبباتَ هذا المرض وغيرهِ مِنْ الأمراضِ الوبائيةِ تمرُ بمراحلِ قوةٍ عندَ بدايةِ ظهورها وتتدرجُ في هَذِهِ المراحلِ إلى أَنْ تضعفَ ومِنْ ثم تستوطن بحيث يمكن التعايش معها بعد ذلكَ، مع التأكيد على ضرورة عدم إغفال التدابير الاحترازية والإجراءات الوقائية للخروجِ مِنْ هَذِهِ المواجهة بأقل ما يمكن مِنْ الخسائرِ المحتملةِ. [2] 

وحتى نكونَ في دائرةِ الاختصاصِ، ينبغي لنا التَّعرف على بعضِ المعاني والْمفرداتِ التي تحومُ حَوْلَ هذا العلم بعيدًا عَنْ الاجتهاداتِ مِنْ أطرافٍ بعيدةٍ كلِّ البعدِ عَنْ هذا المجال. دعونا نتطرق بادئُ ذي بدءٍ لعلمِ الاحياءِ الدقيقةِ «Microbiology» ‏ الذي يختص بدراسة الأحياء الدقيقة وحيدة الخلية ومتعددة الخلايا، وكذلك عديمة النواة كالفيروسات، بما فيها بعض حقيقيات النواة مثل الفطريات والأوليات، إضافة إلى بدائيات النوى مثل البكتيريا وبعض الطحالب. وعلى الرغمِ مِنْ التطوراتِ في هذا العلمِ فإنَّ التقديراتِ تقولُ؛ إنهُ لَمْ يتمْ دراسةَ إلا «0,03%» مِنْ الجراثيمِ الموجودةِ في الكرةِ الأرضيةِ؛ بالرغم مِنْ أنَّ الجراثيمَ اكتشفت منذ 300 عامٍ إلا أنَّ علمَ الأحياءِ الدقيقةِ ما زال يُعد في بداياتهِ مقارنةً بعلمِ الحيوانِ، وعلمِ النباتِ، وعلمِ الحشراتِ. يتمُ الاستفادةُ مِنْ علمِ الأحياءِ الدقيقةِ في مجالاتٍ أمنيةٍ في الأدلةِ الجنائيةِ وفي مجالاتٍ عسكريةٍ في إنتاجِ أسلحةِ الدمارِ الشاملِ.

وهُنَا نأتي لماهيةِ التحولاتِ الفيروسيةِ «Genetic variant» التي هي محل البحث؛ ‏ والتي هي وصف لنوعٍ فرعيٍ مِنْ الكائناتِ الحيةِ الدقيقةِ التي تتمايز وراثيًا عَنْ السلالةِ الرئيسةِ بعددٍ مِنْ الطفراتِ، إلّا إنَّها لا تختلفُ بشكلٍ كافٍ عنها لتدخلَ ضمنَ تصنيفِ السلالاتِ، ولا توجبُ تسميتها سلالةً قائمةً بذلتها منفصلةً عَنْ سلالتها الأصلية. نصتدراسة صدرت في عام 2012، على أنه: لا يوجد في مجتمع علم الفيروسات، تعريف مقبول عالميًا لكل من المصطلحات: «سلالة» «Strain» ‏، أو «متحوّر» «Variant» ‏، أو «عزلة» «Isolate» ‏، ومعظم علماء الفيروسات ينسخون تعريف المصطلحات من الآخرين، إلى أن نص الموقع الإلكتروني لمراكز السيطرة على الأمراض والوقاية منها، على أنه في الوقت الحاضر في سياق الإشارة إلى هذا المتحوّر، تُستخدم بشكل عام المصطلحات السالفة الذكر بالتبادل من قبل المجتمع العلمي. [3] 

ولكنْ يجب ويستلزم عدم العودة لنفس السلوكيات والممارسات الخاطئة السابقة؛ والتي كانت متبعة في كثيرٍ مِنْ المناسباتِ الاجتماعيةِ، وعلى أقلِ تقدير لا نلغيها بل نقنن منها ونحذو طرقًا أكثر حرصًا؛ كما تم الإشارة في ذلك في كتاب الله في النهي عن الإسراف في الأكل كنوع من الممارسات الخاطئة التي تمارس وما زالت، حين قالَ الله جلَّ وعلا: ﴿يَا بَنِي آدَمَ خُذُوا زِينَتَكُمْ عِندَ كُلِّ مَسْجِدٍ وَكُلُوا وَاشْرَبُوا وَلَا تُسْرِفُوا ۚ إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُسْرِفِينَ [الأعراف: 31»]، وكذلك لايجبُ أَنْ نغفلَ عَنْ ما ورد عن النبي ﷺ وأشار إليهِ مِنْ أقوالٍ للمحافظةِ على صحتنا التي تشتملُ بعمومها على ما يصبُ في هذا الاتجاه؛ فمنها وصايا صحية في الوقاية من الأمراض، ووصفات طبية لعلاج الأمراض، والدعوة إلى لزوم استشارة المرضى للأطباء.، وأصول عيادة المرضى، والتذكير بأسس آداب زيارتهم.، وتحريمهِ لممارسةِ السَّحر والإشارة إلى أضراره. كذلك اختيار الأطعمة النافعة كبديل عن الأدوية في وقاية الجسم من الأمراض. وتفضيله عليه الصلاة والسلام واستخدام الأدوية المفردة على الأدوية المركبة، والتركيز على أهمية النظافة لتقويم الصحة ودفع الأمراض. والاستعانة بالطب الروحاني كواحدة من وسائل علاج الأمراض، والجدير بالذكر ان الطب الروحاني اعتُمد في الوقت الحاضر كواحد من مقومات الطب البديل. والتأكيد على الحمية والابتعاد عن البطنة. والدعوة لممارسة الحجامة، وتم إدراج ذلك كله تحت ما باتَ يُعرف بالطبِ النَّبوي.

وقدْ وردَ أيضًا عَنْ الإمامِ عليٍ ”عليهِ السلام“ قولهُ: ”دواؤكَ فيكَ وما تشعرُ“؛ معبَّرًا عن أهم آليةٍ مِنْ آليات الحفاظ على صحةِ الجسمِ وتنظيمِ وظائفهِ الحيويةِ وذلكَ مِنْ خِلَالِ مَا وردَ في البيتينِ الشعريينِ المنسوبينِ لهُ:

دواؤكَ فيكَ ومَا تشعرُ وداؤكَ منكَ ومَا تبصرُ

وتحسبُ أنكَ جرمٌ صغيرٌ وفيكَ انطوى العالمُ الأكبرُ

هذان البيتان مِنْ أبلغ ما يجمعُ بَيْنَ العلمِ والأدبِ، والطبِ والحكمةِ؛ جسدَّ فيهما الإمامُ ”سلامُ اللهُ عليهِ“ قدرةَ الخالقِ سبحانهُ وتعالى في بناءِ جسمِ الإنسانِ وتسيير ّوظائفهِ. وقدْ تم التعبير عن ”دواؤكَ فيكَ ومَا تشعرُ“ في الوقتِ الحاضرِ بالمناعةِ «Immunity»؛ أما الجهازُ المسؤولُ عَنْ المناعةِ في الجسمِ فيعرف بالجهازِ الْمناعي «Immune System».

فالمناعة هي قابليةُ الجسمِ على مقاومةِ العواملِ المسببةِ للأمراضِ بواسطةِ الخلايا الدفاعيةِ والأجسامِ المضادةِ. كما تُعرف بانها تحصينُ الجسمِ حيالَ الأمراضِ المختلفةِ التي يتعرضُ إليها. وتُعرف أيضًا بإنها القدرةُ الكامنةُ للجسمِ على مقاومةِ الأمراضِ. والجديرُ بالذكرِ إنَّ لكلِ مرضٍ مناعتهُ الخاصةُ بهِ.

أما العلم الذي يهتم بهذا النوع من الدراسة فيُعرفُ بعلم المناعة «Immunology»، وهو أحد الفروع الطبية المهمة الذي يعنى بدراسة جميع وظائف الجهاز المناعي وفعالياته في حالتي الصحة والمرض، وهو بشكل عام يهتمُ بدراسةِ الآلياتِ التي تمكن الجسم مِنْ التمييزِ بَيْنَ ما هو ذاتي خاص بالجسمِ للحفاظِ عليهِ وغير ذاتي للتخلص منهُ.

أشارت وأكدت الدراسات الطبية الحديثة على صحة ما ذهب إليه الإمام ”“ مِنْ أن الجسم يعالجُ نفسهُ بنفسهِ بواسطةِ الخطوطِ الدفاعيةِ الموجودةِ فيهِ، والتي تعملُ ضدَ الأجسامِ الدخيلةِ على الجسمِ لمنعِ حدوثِ تأثيراتها المرضيةِ، وتوفيرِ الصحةِ لهُ.

وإذا ما أخذنا بعين الاعتبار الخطوط الدفاعية الموجودة في الجسم فان الجهاز المناعي يعد الخط الدفاعي الثاني على افتراض ان هناك خطًا دفاعيًا أوليًا يتمثلُ بمواقعِ معروفةٍ في الجسمِ تلعبُ أدوارًا مهمةً في درءِ الأخطارِ عَنْ الجسمِ ومقاومةِ الأجسامِ الدخيلةِ التي تحاولُ اختراقَ الجسمِ. ويتكون الخط الدفاعي الأول من: 1 - الشعر. 2 - الجلد والعرق. 3 - اللعاب. 4 - الدمع. 5 - شمع الأذن. 6 - حموضة المعدة. وتعمل جميع هذه الخطوط، بمثابة حواجز طبيعية، على حماية الجسم من المؤثرات الخارجية، أو حمايته مِنْ تلك التي تدخل إلى الجسم كالجراثيمِ والأجسامِ الغريبةِ وغيرها. ويمكنُ تقسيم هذه الحواجز الطبيعية إلى حواجز ميكانيكية كالشعر والجلد مثلا واخرى بيوكيميائية كالدمع واللعاب ومخاط الأنف وشمع الأذن والعصير الْمَعِدي. أما الخطُ الدفاعي الثاني فهو يمثل ما يعرف بالجهاز المناعي، ويتألف من العناصر الآتية:

1 - الخلايا الملتهمة للميكروبات: «Macrophages» وهي خلايا قادرة على التهام الأجسام الغريبة كالبكتيريا والفيروسات

2 - المُتممات: Complements»» وتساعدُ الجسمَ على توفيرِ المناعة النوعية وغير النوعية.

3 - اللمفوسايت: «Lymphocytes» وهي خلايا وحيدة النواة توجد جائلة في الدم وتقوم بقتل المواد الداخلة.

الغريبة إلى الجسم. كما تمنع نمو الأورام السرطانية وذلك بقدرتها العالية على تدمير مثل هكذا خلايا سرطانية «خبيثة».

وتوجد خلايا اللمفوسايت بثلاثة أنواع هي: أ الخلايا القاتلة: «Killer cells» ب - الخلايا البائية: «B-lymphocytes»

ج - الخلايا التائية: «T-lymphocytes».

وبذلك أصبح الجهاز المناعي معبّرًا حقيقيًا عن مفهوم الإمام ”“ لهذا الموضوع، نعم أيها القارئ الكريم دواؤكَ فيكَ ومَا تبصرُ، فإنَّ هُنَاكَ صيدليًا وصيدلية متواريان يوجدان داخل الجسم يهيئان ما يحتاجهُ ذلكَ الجسم مِنْ مقوماتِ الحفاظِ على صحته ووقايته من الأمراض.

وهذا يقودنا إلى أنواع المناعة فهي أما تكون مناعة طبيعية أو مكتسبة. فالمناعة الطبيعية هي التي تتكون داخل الجسم بصورة تلقائية من دون تدخل الإنسان. وقد تكون هذه المناعة نوعية أي تعتمد على النوع «Species»، وتتكون حيال مرض معين في حيوان معين دون أَنْ تتكون لدى حيوان آخر.، فهناكَ بعض الأمراض لا تنتقلُ مِنْ الحيوانِ إلى الإنسانِ فهي خاصة بالنوعِ، بينما توجد أنواع أخرى يمكن انتقالها من الحيوان إلى الإنسان أو من حيوان إلى حيوان آخر يختلف في النوع.

كما تكون المناعة الطبيعية وراثية، أي تتناقل من جيل إلى الجيل الذي يليه فنجد ان الأفراد الذين لديهم مناعة وراثية ضد أمراض معينة كانوا قد توارثوها عن أسلافهم.

أما المناعة المكتسبة؛ قد تكون هذه المناعة غير فعالة كما هو الحال في المناعة الولادية، أي التي تنتقل إلى الوليد من خلال دم الأم أثناء الحياة الجنينية، أو عن طريق الرضاعة. أو تكون المناعة فعالة كتلك التي يحصل عليها الفرد عند دخول الأجسام المولدة للضد «Antigens» فتتكون في داخله أجسام مضادة «Antibodies» لتلك الأجسام الغريبة، أو عند الإصابة ببعض الأمراض. وتعرف بالأجسام المضادة المتكونة. ومن ناحية أخرى فإنهُ يمكن تقسيم المناعة إلى نوعين آخرين أيضا؛ هما المناعة الطبيعية والمناعة الاصطناعية. وتختلف الأخيرة عن الأولى في انها تتكون داخل الجسم من جراء تلقيحه بلقاحات أو مصول خاصة تكون قادرة على حماية الجسم، أي بإدخال مواد موهنة مسببةً للمرض بغية استثارة الجسم لتكوينَ َالمناعة عبر تكوين الأجسام المضادة لتلك اللقاحات والمصول مثلاً. [6] 

وتظل مقولةَ الإمامِ عليٍ ”سلام الله عليه“: ”ربَّ داءٍ انقلبَ دواءٌ“ ماثلةً وموجهةَ لنا في هذا الشأن.

 

[1]  الراصد نيوز
[2]  العربية مباشر - ويكبيديا
[3]  القرآن الكريم
[4]  الطب النبوي
[5]  نهج البلاغة
[6]  الطب والصحة العامة في نهج البلاغة أ. د. يحيى كاظم السلطاني
نائب رئيس مجلس إدارة جمعية العوامية الخيرية للخدمات الاجتماعية