آخر تحديث: 23 / 5 / 2024م - 7:00 م

هكذا تكلم عزيز ضياء لمحمد رضا نصرالله:

عزيز ضياء: هُجِّرتُ بالقطار التركي إلى سوريا وعملت مذيعًا في الهند!

الأديب السعودي عزيز ضياء
الأديب السعودي عزيز ضياء
جهات الإخبارية مجلة اليمامة

صدق مؤرخ الإعلام السعودي، د. عبد الرحمن الشبيلي، حين وصفه ب ”الأديب الناقد العملاق“، فهو رجل واسع المعارف، وشاسع الاطلاع، عريض التجارب الحياتية، وبين ميادين الدنيا المختلفة التي غرف من كلٍ منها شربة كان عميق الأثر وكبير التأثير، اعتبره المفكر العراقي الكبير علي جواد الطاهر ”واحدًا من الروّاد، فكرًا وأدبًا، وهو من أفضل النقّاد السعوديين“، إنه الأديب السعودي المبدع عزيز ضياء، وقد أَحسنَ إلينا عزيز ضياء حين كتب سيرته الذاتية الماتعة في كتاب ”حياتي مع الحب والجوع والحرب“، وعبر أجزائه الثلاثة أسهب في تعريفنا بمتعة عن حياته وسياقاتها الاجتماعية التي عاشها.، أسهب الأستاذ عزيز في تفاصيل ذكرها في الكتاب، وأخرى كشف سترها للمرة الأولى، حيث تحدث في حلقة من برنامج ”هذا هو“ ببساطة الأديب الذي أمتع كل من قرأ كتاباته، وبنضارة المفكر التي ظل يتمتع بها عطاؤه الأدبي طيلة سنوات حياته.

الولادة والبداية

في الطريق إليه، انسلت على رأسي صور التقائي به، كانت الصور مزدحمة ومتلاطمة كتلاطم مواهب ضيفنا الكبير، كان وما يزال عزيز ضياء شجرة وارفة للأدب والفكر الحي والوعي المستنير في المملكة العربية السعودية، فأهلًا وسهلًا بك، نحييك وأنت قطعة حية من تراثنا وذاكرتنا الأدبية المعاصرة، لو أردنا أن نجعل من هذا الحديث سيرةً متصلةً في التطور العام في بلادنا، أنت من الذين عاصروا نشوء المجتمع والدولة منذ الحرب العالمية الأولى التي اكتوى عزيز ضياء بنيرانها، وقد هاجرت من المدينة إلى الشام برفقة جدك، الشيخ أحمد صفا، ووالدتك فاطمة بنت أحمد الشيخ صفا، هل من حديث هنا لتوضيح الجانب المتعلق بنشأتك وتكوينك النفسي والذهني؟

في الواقع، الحديث عن هذه الفترة كتبت عنه في قصة ”حياتي مع الجوع والحب والحرب“، ولا أجد الآن أكثر تفصيلًا مما كتبته، والقصة باختصار أن الوالي التركي فخري باشا، تلقى أمرًا من السلطان بأن يُهجّر أهل المدينة الذين يعتقد أنهم سوف يحتاجون الزاد ولا يجدونه، في زعمه  كما سمعنا فيما بعد  أنه أراد ألا تجوع المدينة وألا يعاني الناس هذا الجوع، فهجّرنا، وخلال تلك الهجرة كنت أنا لا أزال صغيرًا، وكان جدي الشيخ أحمد صفا يعتني بي، فركبنا القطار وقد أدهشني أن أراه في تلك الفترة حيث كانت وسيلة المواصلات السائدة حينها هي عربات الكارو، وتمت الرحلة إلى دمشق، وكان جدي شخصية يحترمها الأتراك، وقد جاءه توجيه بان يذهب إلى حماة لأنهم في دمشق لا يستطيعون تأمين بعض الأشياء التي يحتاجها، فانتقلنا إلى حماة وهي بلد جميل يتميز بوجود نهر وناعورة، وعشنا في حماة وكان يمكن أن تستمر المعيشة فيها ولكن ذات ليلة اقتحم اللصوص بيتنا، وكانت والدتي تعتز ببعض الأشياء ثمينة القيمة من الشوك والسكاكين وغيرها التي كانت تحملها معها، فسرق اللصوص كل ذلك وتعرض جدي لخطر القتل منهم عندما حاول مطاردتهم، عند هذا اليوم انتهت علاقتنا بحماة، فانطلقنا إلى حلب، حيث شاهدنا هناك الجوع والكثير من المآسي في قصة حياتي.

النشأة التعليمية

فيما يتعلق بظروف النشأة التعليمية، والدتك أخذتك إلى الكُتّاب في المدينة، وقتذاك ما هو شكل التعليم في المدينة المنورة؟

طبعا أنت تعرف أن الدولة العثمانية كانت هي المهيمنة على المدينة، لذلك فقد ظلّت المدينة تحت ظل الأتراك حتى بعد انسحابهم منها، وبقي إحساس الناس بأنهم ينتظرون الخليفة أو السلطان، وكان التعليم في ذلك الوقت في مدرسة تسمى الرشدية، يتعلم فيها الأولاد، ولكن قبل الالتحاق بها لا بد من دخول الكُتّاب وحفظ جزء على الأقل، لذلك أخذتني والدتي إلى كُتّاب العريفي بن سالم، وكنت موفقًا ونجحت في حفظ جزء وهو ما جعل الشيخ بنصح أمي بان تأخذني إلى مدرسة الرشدية، وفي تلك الأثناء تغيّر اسمها إلى ”الراقية الهاشمية“.

وماذا عن مناهج التعليم في هذه المدرسة الراقية؟

في ”الراقية الهاشمية“ تبدأ الدراسة بمرحلة تسمى التحضيرية، وهي تشبه المرحلة الابتدائية، حيث تتعلم فيها إضافة إلى ما تعلمت من القرآن الكريم، وكذلك الحساب والجغرافيا وبدايات بعض العلوم الأخرى، وكان للمدرسة مديران؛ أحدهما السيد ماجد عشقي، هذا مدير المدرسة التحضيرية، والآخر هو السيد حسين طه، أخو السيد ياسين طه الموجود عندنا في جدة الآن، وكان مسؤولًا عن المدرسة الراقية، والاثنان تعلما في عهد الأتراك وهما يتكلمان التركية بطلاقة أكثر من كلامهما باللغة العربية، وأنا التحقت بالمدرسة التحضيرية وحينها لم يكن ضروريًا أن تتم السنة الدراسية كاملة

حلقات الحرم النبوي

فيما يتعلق بدور الحرم النبوي الشريف في تكوين جيلكم الثقافي، المعروف بأن الحرم كان مكانًا لإقامة وتداول الفقهاء المسلمين لدروسهم الفقهية والشرعية في باحات الحرم النبوي الشريف، هل تذكر شيئًا من هذا؟، كيف كانت هذه الباحة وهي تستقبل جملة من الفقهاء وعلماء المسلمين؟

في مرحلة الصبا، كانت حلقات الدرس لشيوخ كثر، منهم الطيب الأنصاري والطيب الشنقيطي، وكان لكل منهم حلقة تُقام من بعد المغرب إلى صلاة العشاء، وأحيانا كانت تبدأ من بعد صلاة العصر، وكانت هذه الحلقات أشبه بتلك التي كانت تعقد في مكة المكرمة، والموضوعات التي كانت تُدّرس في هذه الحلقات هي موضوعات عن الشريعة والفقه والتوحيد وما يتفرع منهم من علوم، وكانت هناك بعض الكتب المستوردة من الخارج، يوزعها الشيخ أو ينصح بشرائها من المكتبة.

في حقل التعليم الحديث

لنستكمل هذا السؤال بانتقالك إلى مكة، حيث تعلمت في المعهد الصحي.

هذه القصة تطول، وما حدث هو أننا سمعنا في المدينة أنه قد تم افتتاح مدرسة للصحة في مكة، وقد فهمها كثيرون حينها على أنها مدرسة للطب، فأسرع بعض الشباب من أهل المدينة للتقدم إليها، وكانت هناك اختبارات لتحديد من يستحق أن يذهب، وتم اختيار 22 شابًا وانتقلنا على الجمال من المدينة إلى مكة، وهناك اكتشفنا بعد فترة أنها مدرسة للتمريض، ومما أذكره أنه قد عُهِدَ إليّ أثناء الدراسة أن أكون مسؤولًا عن قاعة أو عنبر به 30 مريضًا، كلهم مصابون بالسل، وكان الطبيب المسؤول معي عن نفس العنبر هو نفسه من كان يدرسني في الصف، وكان متعجرفًا وشديد الكبرياء وكان دائم التأنيب والإهانة لي، وكان معي في العنبر شاب اسمه محمد الأسود، وكان يرى ما يصيبني من إهانة على يد هذا الطبيب، فاقترح عليّ أن نضرب هذا الطبيب ”علقة ساخنة“، ففرحت بالفكرة ولم أفكر في نتائجها، المهم عندما جاء الطبيب وتطاول علينا كما كان يفعل دائما، فأشار لي محمد الأسود بانه سيبدأ في مسك يدي الطبيب، ثم بدأت أنا بضربه واستعنت بعصا المكنسة، الشاهد أنني ضربته ضربًا شديدًا ثم خرجت من العنبر هاربًا، وهربت من هذه المدرسة للأبد.

الالتحاق بالعسكرية

بعد ذلك كأنك التحقت بسلك العسكرية، فما هو الدافع للالتحاق بهذا السلك الذي لا يتناسب مع رقتك كأديب مرهف الأحاسيس وكشاعر كتب الأشعار في البداية؟

في تلك الأيام لا أستطيع أن أقول إنني كنت بهذه الرقة أو على هذا الخلق، كان الغالب عليّ هي الشقاوة والعنف، وسبب انتقالي من مدرسة الصحة أو هروبي منها وانتقالي للسلك العسكري هو أن الحكومة عيّنت مهدي بك المصلح، مديرًا للأمن العام، هو من أصل عراقي وأنا كنت أعرف مهدي واعرف أسرته، ففرحت بمجيئه، ورجعت إلى عمي ضياء الدين وأبلغته بانني أحب أن ألتحق بالشرطة، فذهبت إلى مهدي بك واقترحت عليه بافتتاح مدرسة عسكرية لتخريج ضباط كي يملأوا الفراغ الموجود في المناصب العسكرية، لأن المملكة صارت مترامية الأطراف، فاندهش من الفكرة واستصعبها، لكنني أقنعته بإنشاء المدرسة في عنبر بسيط في القسم الموجود بالحامدية وشرحت له بعض التفاصيل، فقال لي: توكل على الله، وبعد موافقته، ذهبت واتفقت مع نجار أعرفه لكي يصنع لنا 6 أو 7 مقاعد للطلاب، ومن هنا بدأت المدرسة عملها.

بعد أن التحقت بالسلك العسكري، وصلت إلى مرتبة مهمة جدا حيث أصبحت وكيلًا للأمن العام، هل من سبيل لرواية هذا التدرج في السلك العسكري؟

بعد أن افتتحنا مدرسة الشرطة تلك، اقترح مهدي أن أدرس فيها وأن أصير ضابطًا، حينها كانت الرتب هي مفوض اول ومفوض ثان وكذا، وبالفعل دخلت التدريب مع يوسف جمال، وهو ضابط تركي قديم، واحترامًا لي كان تدريبي يتم في الليل نظرًا لأنني لم أكن جنديًا من قبل ولم يسبق لي دخول الحياة العسكرية، فكان يعلمني الضرب بالبندقية والمسدس وطريقة تنظيفهما والعناية بهما.

بداية العلاقة بالأدب

حين وصلت إلى هذا الموقع في الأمن العام كنت أديبًا معروفًا، ففي كتاب ”وحي الصحراء“ الذي كتبه محمد سعيد خوجة، وكذلك الشاعر المعروف عبدالله بلخير، ذُكِرَت في هذا الكتاب بأنك أديب، ويلاحظ أن لك نصوصًا شعرية أيضا كُتِبَت على طريقة قصيدة النثر في نفس الكتاب، هناك إشارة أيضا في هذا الكتاب إلى أنك تنتمي إلى السلك الأمني.

بدأت الاهتمام بهذا عندما كنت في مدرسة الصحة، وبدأ الأمر عندما نسى أحد الطلاب، كان اسمه أحمد سناري «رحمه الله»، كتابًا في غرفة الاستقبال، وعندما جئت وجدت الكتاب، كان اسمه ”العواصف والعواطف“ لجبران خليل جبران، فأخذت أقرأه، وكانت هذه هي أول مرة أقرأ فيها لجبران أو لغيره، باستثناء ما كنا نقراه في المدرسة وكانت تلك النصوص معروفة، في تلك الليلة لم أنم حتى أنهيت الكتاب إعجابًا بما أقراه فيه، وأخذت أكتب إلى أصدقائي في المدينة كلامًا متأثرًا فيه بأسلوب جبران، وكنت أتلقى منهم رسائل إعجاب وتكريم على ما أرسله إليهم، فهذه كانت أول علاقاتي بالأدب.

كيف استطعت أن تتعلم لغة أجنبية، وتقرا عن الآداب الأجنبية وأنت في مجتمع محافظ؟

لا علاقة بين المجتمع المحافظ وتعلم اللغة الإنجليزية، لكن بالنسبة لتعلمي اللغة الإنجليزية فإن هناك قصة وراء ذلك، حيث كان لنا جار تركي رأيته ذات يوم يتكلم مع صديق له لغة غريبة، ليست التركية أو العربية، فسألته لاحقًا عن تلك اللغة التي كان يتكلمها، فقال إنها الإنجليزية، وسألني عما إذا كنت أحب أن أتعلمها، فأجبته بأنني أحب أن أتعلمها جدا، فافتتح لاحقًا ما يشبه المدرسة ب 8 أو 9 طلاب، وقد كنت واحدًا منهم.

كان عمري وقتذاك في حدود 18 عامًا، كان ذلك قبل حدوث الحرب العالمية الثانية، وكنت أعطيه 5 ريالات في الشهر، وأتذكر الكتاب الذي بدأنا الدراسة فيه وهو كتاب ”First Year English“، وهو من الكتب التي كانت تُدرس في الجامعة الأمريكية في بيروت، وبلغ بي التطلع إلى إتقان اللغة الإنجليزية ومعرفتها أنني كنت أحفظ 100 كلمة في اليوم مع معرفة هجائها وما يحيط بها من أصول اللغة، وبعد 6 أشهر قال لي جاري إنني يمكنني أن أعتمد من الآن فصاعدًا على نفسي وأنني لم أعد بحاجة إلى مدرس، فصرت ألتقط ما أجده باللغة الإنجليزية وكان أكثر ما يعجبني هي الكتب المترجمة إلى الإنجليزية لكتاب روس، مثل تولستوي وديستوفيسكي، وقد تعشقت الأدب الذي كتبوه.

اهتممت كثيرًا بالنقد، ولك عنوان لمجموعة من المقالات كأنك أعملت معاول النقد في شعر وإبداع أدباء جيلك، فهل من سبيل لتوضيح هذه الصورة؟، لماذا انبريت لنقد العواد وحمزة شحاتة ومحمد حسن فقي وآخرين؟

كنت أكتب على سجيتي في هذا النقد، وكان يعجبني من النقاد كثيرين، لعل منهم المازني «رحمه الله»، ومعركة العقاد وشكري والمازني مع شوقي، وكان لي رأيي لعله لا يزال بقية في نفسي الآن، وهو أن الناس أصرفوا كثيرًا في التعلق بشوقي ومدحه والصعود به إلى القمم، أنا لا يعجبني ما كتبه شوقي باستثناء التمثيليات الشعرية التي فتح بها بابًا لم يسبقه أحد إليه.

فيما يتعلق بالكتب التي نشرتها، نريد هنا أن نتعرف على أوائل الكتب التي طبعها الأستاذ عزيز ضياء.

ليست هناك أوائل ولا أواخر، هناك حقيقة واحدة وهي أنني ومعي حمزة شحاتة كنا نؤمن بنظرية أننا كتبنا ولكن لا ينبغي أن ندفع أموالًا، سواء كنا نملكها أو لا نملكها، في سبيل ان يظهر لنا كتاب مطبوع، لذلك كان عتابنا على قنديل أنه أخذ ينشر بعض إنتاجه في مصر، أما فلسفتنا فكانت هي الاكتفاء بأننا كتبنا، ولا يجب أن ندفع مقابل نشر ما كتبناه، وما تراه مطبوعًا فهذا تمت طباعته في مرحلة قريبة.

في كتابك ”حياتي“، عبّرت عن احتفائك بالجمال، جمال خالتك خديجة وجمال جارتكم بدرية، هل لنا هنا من حديث عن الجمال، ماذا يعني الجمال للأستاذ عزيز ضياء؟

من الصعب أن أحدد ماذا يعني الجمال بالنسبة لي أنا، فالجمال هو إحساس، وقدرته على الاستقرار في نفسك، والجمال يشعرك بذاتك، فالكلام عن الجمال طويل جدا، ولعلي كتبت كتابًا عن الجمال، ولكن لا أدري اين هو الآن.

ماذا تقول للجيل الجديد في العالم العربي والمملكة العربية السعودية؟

ما ينبغي أن يُقال بالنسبة للجيل الجديد في العالم العربي، أن وسائل الإعلام والتلفزيونات شدته وصرفته على أن يُعنى بالثقافة أو بالفكر كما ينبغي أن يُعنَي به.

كتب مهربة

ماذا عن هذه الكتب المعينة، كأنك في بعض الكتب قلت بأنكم  أنت وجيلك  كنتم تتداولون كتبًا ذات طرح جديد، هناك كتب مترجمة لأفلاطون وأرسطو وبعض الكتب الأجنبية المترجمة.

كنت أجتمع مع حمزة شحاتة عندي في البيت على الغداء، وبعد الغداء كنا نبدأ في المناقشة أو الحوار حول كتاب معين، ومن الكتب التي ما زلت أذكرها؛ أولًا كتاب جمهورية لأفلاطون، هذا الكتاب الذي سمعنا أنه صدر في مصر، فاستوردناه بواسطة رجل صاحب مكتبة صغيرة كان اسمه أحمد حلواني «رحمه الله»، كان يأتينا بالكتب مهربةً إذا كانت من الممنوعات، وكان كتاب ”جمهورية أفلاطون“ من الممنوعات، فأنا أذكر تماما أنني رجوت أحمد حلواني أن يأتينا بهذا الكتاب، ودفعت فيه مبلغًا كبيرًا، وكنا نجتمع في البيت ونقرأ جمهورية أفلاطون ونقف عند كثيرٍ مما نقرأه في هذا الكتاب، إضافة إلى ذلك سمعنا بمن يسمى ”شبلي شميل“، من كتّاب وأدباء مصر في ذلك الزمن، ولا أذكر الكتاب الذي جئنا به بنفس الطريقة

قراءات وثقافات

ما هو أثر قراءتك للأدب الروسي في أدبك القصصي؟، أنت كتبت الرواية تقريبًا وأيضا كتبت العديد من القصص القصيرة.

التأثر ليس بغرض التقليد أو المتابعة، وإنما هوى في النفس، يعجبني أن أكتب قصة قصيرة، فأكتبها، وأنا أكتب لا أشعر باني أقلّد ديستوفيسكي أو تولستوي، لأنهم في نظري أكبر بكثير من أستطيع تقليدهم.

الذهاب إلى الهند

الملاحظ في سلسلة حياتك العملية، أنك قد ذهبت إلى الهند، حيث كنت تعمل مذيعًا هناك في إحدى المحطات الهندية، فما هي قصة الذهاب إلى الهند؟

هي كانت عملية هجرة في أساسها من جدة إلى القاهرة، جهزت نفسي وبالفعل ذهبت مع زوجتي ووالدتي إلى المطار، والتقيت هناك بالأمير عبدالله الفيصل «جزاه الله خيرًا» وسلّمنا عليه، وركبت الطائرة وسافرت إلى بيروت ومنها إلى مصر، هذه الرحلة كانت هجرة، وكان إمدادي بالمال من الأمير عبدالله الفيصل، وكان وكيله يمدني كل شهر بمبلغ من المال، أظن أنه كان 150 جنيهًا مصريًا، بطبيعة الحال فإن هذا المبلغ كان كبيرًا حينها، وأثناء إقامتنا في الهند كانت والدتي تقرأ الجرائد المصرية باستمرار، فوجدتها ذات يوم تناديني، وتبلغني بإعلان عن وظيفة في السفارة الهندية، كانت السفارة تطلب مذيعين ومترجمين من اللغة العربية إلى الإنجليزية للعمل في إذاعة دلهي، فكتبت طلبًا بالإنجليزية وذهبت إلى ملحق السفارة وقدمت له الطلب وأخذ يخوض معي في أحاديث عن واقع الهند في تلك الأيام، ومن أهمها مقتل غاندي، الذي كان قد قُتِلَ قبلها بأسابيع قليلة، ووجد أن لدي معلومات عن الهند تعتبر مميزة، فابلغني بالحضور في اليوم التالي لإجراء اختبار في الترجمة، وبالفعل حضرت الاختبار وخلال أسبوع قُبلت ومن ثمَّ ذهبت إلى الهند للعمل مترجمًا ومذيعًا.

ما هي الظروف التي جعلتك تعود إلى بلدك المملكة العربية السعودية من الهند؟

كان سفيرنا في باكستان التي انفصلت وأصبحت دولة مستقلة، هو الشيخ عبدالحميد الخطيب «رحمه الله»، فكتب لي أكثر من مرتين يستفسر عني ويرحب بي، ويدعوني لزيارة باكستان واللقاء به، ثم فجأة تلقيت منه خبرًا بأنه قد صدر الأمر بأن أعود إلى مكة وأنه قد تم تعييني مديرًا لمكتب الأجانب بوزارة الداخلية، فرحت أمي بالعودة إلى مكة، لأن الحياة في الهند بها وحشة نظرًا لقلة الصلات، فقررنا العودة بعد سنتين إلى المملكة.

وأتذكر أن مديرة قطاع الشرق الأوسط بالإذاعة قد طلبت مني البقاء، وتناقشت معي في الأمر طالبةً مني البقاء والحصول على الجنسية الهندية وإعطائي فرصة عمل بالخارجية الهندية، ففرحت أولًا، ثم أخذت أفكر في أمر تعييني بوزارة الداخلية في مكة، فوجدت أن هذا لا يليق أن أرفض التكليف الصادر بالمملكة لي، فأخبرتها بأنني أرفض عرضها، وسافرت عائدًا إلى المملكة.

العودة إلى الوطن

بعد عودتك إلى المملكة وعملك كمدير لإدارة الأجانب، كأنك وصلت إلى موقع آخر وهو مدير الجوازات والامن وما على ذلك.

هذه مرحلة أخرى، ولا ينبغي أن أنفي أنه كان هناك نوعًا من الإعجاب من الملك سعود، وصدر الأمر بتعييني وكيلًا للأمن العام للمباحث والجوازات والجنسية وأنا في نفس منصبي هذا.

كيف كان تعاملك مع زملائك من الأدباء والشعراء؟، هل كنت تعاملهم معاملة أمنية؟

أبدًا، ظل تعاملي وتصرفي معهم بنفس الطريقة وعلى ما كانت عليه.

كتابات حادة

أستاذ عزيز، بعد تقاعدك من العمل العسكر والأمني، توجهت صوب الصحافة والكتابة في الادب وقضايا الإبداع، غير ان الملاحظ أنك وأنت تنتقل من السلك العسكري والأمني بأن لهجتك كانت حادة في الصحف، فقد كانت لك انتقادات معروفة لأجهزة الدولة، وكذلك كان قلمك حادا مع قرنائك من الأدباء والشعراء، ولكن لماذا هذه الحدة وأنت تنتقل من السلك الأمني؟، هل هو نوع من التعويض النفسي الذي وجدته نفسك أيامًا كنت مسؤولًا أمنيًا تبتعد عن حرية الإبداع؟

لا بد أن أقول إنني لم أبتعد عن الإبداع بجميع الأشكال المتاحة في تلك الأيام، ولم يكن لعلاقتي بالأمن العام أو بالوظائف الحكومية تأثير جذري يمنعني من أن أظل في السير في خط الأدب والنقد.

ولكن ماذا عن الكتابات الحادة التي كنت تنشرها في جريدة المدينة مثلًا؟، لقد طالت بعض هذه المقالات وزراء وبعض الشخصيات العامة.

من خصائص حياتي أنني لا أستطيع هضم أي عمل في المجتمع إذا كان فيه معنى الضغط على الحرية وعلى الفكر.

هل نستطيع أن نقول إن الأستاذ عزيز ضياء هو واحد من رموز الاستنارة الفكرية في المملكة العربية السعودية؟

هذا يعود للقارئ وللمستمع، فأنا لا أستطيع أن أقول ذلك عن نفسي.

ماذا حققت لمجتمعك السعودي عبر كتابتك الملتهبة هذه؟

يُسأل عن هذا أيضا القراء والجمهور، فأنا يضحكني في بعض الفقرات التي تُذاع في بلد معيّن بأن هذا هو ما يريده الجمهور، لكن بالنسبة لي فإنني لم أكن أسعى لنيل رضا الجمهور أو تحقيق ما يُفرض عليّ، ولكن كنت أتابع طبيعتي وتعشقي للحرية ولواقع القضايا التي نعيشها.

حماسك للمرأة وقضية تنوير المرأة، هل هو متأتٍ من خلال تجربتك الشخصية أنت؟

من الصحيح أن أقول إن تأثري كان بأمي «رحمها الله» في الدرجة الأولى، مثلما قلت سابقًا بأنها هي التي أخذتني على الكتّاب ثم إلى المدرسة، فتأثري بها كان كبيرًا.

وجدنا في كتابك ”حياتي“ صورة لوالدتك، ألم تجد حرجًا في ذلك؟

لم أجد حرجًا في ذلك، لأنني وجدت أن الحياة لا يمكن أن تتم إلا باستيعاب كل حاجاتها، فالتصوير الفوتوغرافي هذا كان شيئًا تافهًا، فأنا عشت مع الكاميرا عهدًا طويلًا حيث كنت مصورًا، كنت هاويًا للتصوير ولم أمتهن التصوير.

أسلوب الكتابة

فيما يتعلق بكتابك ”حياتي مع الحب والجوع والحرب“، استخدمت فيه أسلوبين؛ أسلوب السرد الروائي، وأسلوب السيرة الذاتية، غير ان الملاحظ بأنك قد أقحمت بعض الموضوعات السياسية ذات الطابع التقريري، ألا ترى بأن إقحام مثل هذه المعلومات قد أثر على البناء الفني لهذا العمل؟

أنا لم أستهدف بناءً فنيًا، أنا أساير رغبتي وإحساسي بكتابة ما أشعر بانه ينبغي أن يُكتب عنه، وهذا هو الواقع بالنسبة لكثير جدًا مما كتبت، فليس هناك ما ذكرته من إقحام، إنما هو قد جاء بطبيعة الرغبة في العطاء، الكاتب لا يستطيع أن يسيطر على مواقف معينة بأن يكتب عنها أو لا يكتب، وإنما هو يطاوع مشاعره تجاه هذه القضايا فيكتب عنها.


عنوان الحلقة على يوتيوب: مقابلة عزيز ضياء مع محمد رضا نصرالله في برنامج «هذا هو» عام 1996م

رابط اللقاء على يوتيوب - الجزء الأول والثاني: