آخر تحديث: 14 / 4 / 2024م - 8:26 م

موقع العرب في الصراع الدولي الراهن

يوسف مكي * صحيفة الخليج الإماراتية

يمر العالم بأسره، بمرحلة انفلات، يُرجع كثير من المحليين سببها إلى انتهاء فاعلية النظام الدولي الذي ساد منذ نهاية الحرب العالمية الثانية، وعدم انبثاق نظام دولي بديل عنه. نظام يعكس حقائق القوة الجديدة، التي عبّر عنها الصعود الاقتصادي الكاسح للصين، وعودة روسيا بقوة للمسرح الدولي، وأيضاً تأسيس منظومات اقتصادية وسياسية جديدة كمنظومة شنغهاي والبريكس.

يعود تأسيس النظام الدولي الحديث، للعام 1648، بتوقيع اتفاقية ويستفاليا، بعد حروب طويلة عاشتها القارة الأوروبية. ولما لم يكن من سبيل بين تلك الدول التي انهمكت في الحرب، لحسمها، اتفق المتحاربون، على الاعتراف بما يمكن وصفه بالأمر الواقع.

بمعنى آخر، فإن المفهوم السائد لدينا الآن هو في الأصل، أوروبي النشأة، جرى بموجبه الاعتراف بالحدود القائمة بين الدول الأوروبية وحق السيادة، وعدم جواز تدخل أية دولة في الشؤون الداخلية للدول الأخرى.

في القرن الماضي، كانت مقدمات الولادة للنظام السائد، الذي أعقب انتهاء الحرب العالمية الأولى، إعلان الرئيس الأمريكي ويدرو ويلسون الوثيقة العالمية لحقوق الإنسان، ببنودها ال14. وقد أكدت حق الأمم في تقرير المصير، واحترام سيادة الدول، واعتبار الاستعمار عملاً مقيتاً وغير أخلاقي. وأيضاً على حق الشعوب في الحرية، واحترام حرية الرأي والمعتقد.

انتهت الحرب، بنشوء عصبة الأمم التي تبنت وثيقة ويلسون، لكنها في ذات الوقت استعاضت عن الاستعمار الذي دانته مبادئها، بمسميات الحماية والوصاية والانتداب. وقد مكّن وجود الانتداب البريطاني لفلسطين، لوضع وعد بلفور بإقامة وطن قومي لليهود فيها، موضع التنفيذ. ولم يكن تشكيل عصبة الأمم سوى مرحلة قصيرة؛ بسبب ترنح الاستعمار التقليدي، وثقل أزماته الاقتصادية والسياسية.

فما بين الحربين، تمدد النفوذ الاقتصادي الأمريكي، ليشمل جميع قارات الكرة الأرضية، في شكل شركات احتكارية، متعددة الجنسية. وبالمثل كان الاتحاد السوفييتي يشق بقوة طريقه السياسي والعسكري، ويضم أراضي لم تكن ضمن الأراضي الروسية أثناء الحقبة القيصرية.

لم يكن غريباً، أن تبدأ نذر الحرب العالمية الثانية، قبل أقل من عقدين على انتهاء الحرب الكونية الأولى. لقد كان هناك ما يشبه الإجماع الدولي على أن الحرب العالمية الأولى، هي حرب لم تكتمل، لأنها لم تعكس، حقائق القوة العالمية آنذاك، والتي مثلها خروج اليانكي بقوة، من خلف المحيط، وعبّر عنها الدور الرئيسي لرئيسها ويلسون في صياغة ميثاق عصبة الأمم.

إن هناك مهزومين ومنتصرين، في كلا الحربين، وكان المنتصرون وحدهم يحددون شكل النظام الدولي الجديد، المنبثق عن نتائج الهزيمة. بمعنى آخر، تأسس النظامان بعد الحربين العالميتين الأولى والثانية، ليس بالتراكم السياسي، ولكن بالضربة القاضية.

الواقع العربي الراهن، لا يسمح للعرب، أن يكونوا شركاء في تغيير مجريات الصراع الدولي. وكل ما يمكن فعله هو اقتناص الفرص التي تتيحها التحولات الكونية، بما يخدم المصالح القومية والوطنية؛ وذلك يتطلب وجود الحد الأدنى من التنسيق بين البلدان العربية. وأمامنا فرص كثيرة، إن أحسنا استخدامها.

العالم بأسره، يعيش فوضى كونية... إنها لغة القوى التقليدية والصاعدة، على السواء لتحسين أوراقها، قبل القسمة التي ينبثق من رحمها النظام الدولي الجديد.

روسيا تعزز حضورها العسكري، في الجمهوريات السابقة للاتحاد السوفييتي، في جورجيا وبلاروسيا والقرم وأوكرانيا، وتعمق تحالفها مع الصين الشعبية. والصين تتسلل بقوة للقارة السوداء، فيما أمريكا وأوروبا الغربية، تعمل جهاراً على محاصرة الاتحاد الروسي. وفي المنطقة العربية، يجري تنفيذ أجندات تفتيت مؤجلة منذ الحرب العالمية الأولى، على قاعدة انسجام الجغرافيا مع البنى الاثنية والطائفية.

الواقع الراهن يبدو قاتماً، والعالم لن يتركنا نتدبر أمرنا بما يخدم مصالحنا الوطنية والقومية، فنحن نقطة الوصل بين قاراته القديمة، ومصدر طاقة لمصانعه، وبالتالي لاستمرار قوته ونفوذه. لكن هذا الواقع يحمل في رحمه الكثير من المفاجآت. والتقرير هذا ليس رجماً بالغيب؛ بل هو وعي بأن عوامل الغضب على حالة التردي قد بدأت نذرها؛ وذلك ما نشهده واقعاً في عدد من الأقطار العربية.

ليس أمام العرب، بديل عن قراءة واقع الصراع الدولي الدائرة رحاه الآن، والذي يعبر عنه في هذه اللحظة الصراع الروسي - الغربي على أوكرانيا. واستثماره لتحسين مواقعنا، من أجل النهوض وتحقيق التنمية والتقدم والازدهار، وبما يتسق مع مصالحنا القومية، ومن خلال تحقيق التكامل في مختلف المجالات. وما لم نستثمر مرحلة الانفلات والخلل في العلاقات الدولية لتحسين مواقعنا، فإننا سنضيف خيبة جديدة، إلى خيباتنا الأخرى، وفرصنا الضائعة.