آخر تحديث: 20 / 6 / 2024م - 9:46 م

لغة المسافات

وسيمة عبيدي * صحيفة اليوم

عندما تقود سيارتك في شارع مزدحم تحاول ترك مسافة بينك وبين جميع السيارات من حولك وإلا اصطدمت بهم، بالمثل هي المسافة التي يحتاج إليها البشر بين بعضهم البعض أو ما يسمى بالمساحة الشخصية. نلاحظ كثيراً بعض المشاهد في الحياة حين يتقدم شخص للحديث مع شخص آخر فيتقهقر الأخير للوراء عفوياً وبدون وعي منه تاركاً مسافة بينه وبين المتحدث، أو العكس، فيقترب منه أكثر وينحني تجاهه صاغياً له باهتمام. تتكرر تلك المواقف حتى يتهيأ لنا أن هنالك حلقات كهربائية خفية ومختلفة المقاس حول كل شخص. يحاول الأشخاص الاقتراب لكن ما أن تصطدم حلقاتهم ببعض ويشتعل الشرر حتى يبتعدوا عائدين للمسافة الآمنة أو المساحة الشخصية.

المساحة الشخصية هي عبارة عن المنطقة، التي تحيط بالفرد ويعتبرها نفسياً، ملكاً له. ويعطي كل شخص قيمة خاصة ومتفاوتة لهذه المساحة، فليست لها قيمة كبيرة عند البعض، أما البعض الآخر فينتابهم شعور بعدم الارتياح والتوتر وربما الغضب بمجرد تعدي أحد على مساحته الشخصية. ويعتبر اتساع أو تقلص تلك المساحة مؤشراً على الألفة وتطور العلاقة بين الأفراد أو تدهورها.

يخلق الدماغ دون وعي في الفضاء المحيط بالشخص منطقة عازلة محسوبة لكنها مرنة حيث يتغير حجمها وأبعادها بحسب نوعية العلاقة وعمقها. نستطيع تشبيه تلك المنطقة بجلد ثانٍ خفي أو كخيمة غير مرئية تحيط بكل إنسان تكون بمقاسات تختلف من شخص لآخر وتكون مناسبة للشخص نفسه. ويعدل البعض في مساحته الشخصية لتناسب متطلباته. ذلك الجلد الثاني الخفي أو الخيمة غير المرئية هما أول خط دفاع للكائن الحي، تقوم بمجموعة كبيرة من الوظائف الأساسية أولها حمايته من أي تهديد جسدي حقيقي قريب. حتى الحيوانات لديها مساحة شخصية حولها، التي يحسبونها لحماية أنفسهم من الحيوانات المفترسة أو حتى من إزعاج بعض البشر.

يمكن لتلك المساحة أن تحمينا أيضًا من أبسط الأشياء في حياتنا اليومية مثل التجول في منازلنا دون ضرب كتفنا في الباب أو إصبع قدمنا الصغير في حافة الطاولة. نحن حتى لا نفكر في الأمر، لأن لدينا هذا النظام الذاتي، الذي يراقب بدون إدراك منا، وجود الأشياء حولنا ويضبط تحركاتنا بما يناسبنا.

كان الرئيس كينيدي دائماً محاطاً بجموع غفيرة من الناس ولكن دائماً ما كانت هنالك فقاعة يبلغ ارتفاعها حوالي 30 قدماً حوله ولم يُسمح إلا لعدد قليل جداً من الأشخاص بدخول تلك الفقاعة. على الرغم من أن لغة المسافات لغة فطرية لكن يجد بعض الأشخاص صعوبة في قراءتها وفهمها. من المهم أن نفهم مبدأ المساحة الشخصية ونتعلم لغة المسافات، ونتفهم حاجة الكائنات الحية المختلفة لتلك المساحة ونحترمها. بإمكان تلك المسافة أن تقتصر على مجرد صباح الخير أو الجلوس على طاولة واحتساء كوب من القهوة أو السفر معاً، وتصل في العلاقات العميقة للاحتضان.