آخر تحديث: 26 / 5 / 2024م - 7:45 ص

ماذا يجعل الحياةَ حلوة؟

سألتُ حفيدي حين تذمر من حبَّات البهار والتوابل التي أضافتها جدته لتطييب وجبةِ طبقِ الدَّجاج: ماذا يجعل الحياةَ طيبةً ولذيذةً يا إلياس؟ فقال: هي الأكل والألعاب والملابس والتَّسلية والتَّرفيه وغيرها من الأشياء!

لم أستغرب من إجابته فهو لا يزال شابًّا لم يختبر بعد كلَّ تفاصيلِ الحياة، لكن أجبته: إن ما يجعل الحياةَ جميلةً ومستساغَة جدًّا يا إلياس هي المنغِّصات الصغيرة، تمامًا مثلما جعلت حبَّاتُ البهار - التي وضعتها جدتك في الأكل - ولم تعجبك، طعمَ وجبة الدَّجاج لذيذًا وشهيًّا.

دون المرضِ القصير لا نعرف جمالَ الصحَّة الطَّويلة، دون الزَّعل لا نعرف الرِّضا والطَّمأنينة. باختصار، كلّ شيءٍ سيِّء يحدث لنا قيمته في أن يعطينا معنى من معاني الحياة لا ندركه دونَ ذلك الشَّيء السيِّء. الغنيّ إن لم يذق طعمَ الفقرِ والحاجة، ولو لمدَّةٍ قصيرة، لا يكون للمالِ والغنى أيَّ لذَّةٍ في فمه.

تعرف يا ألياس، عندما كنتُ في عمرك وتصيبني حمى أفقد شهيتي للأكلِ يومًا أو يومين، لكن ساعة ما تزول الحمى أعود في ذاتِ اللَّحظة آكل بشهيَّة مثل الحصانِ المتعب المكدود؟! اخشوشنوا فإن النعمَ لا تدوم! أظن أن جيلَ إلياس يحتاج إلى قليلٍ من المخشِّنات المؤدِّبات، العصا.. اللعبة الرَّخيصة.. الخبزة.. الحرمان، قبلَ أن يبطرَ ويكفرَ بنعمةِ الله.

أنتَ يا إلياس، لا ترى الحياةَ - الآن - إلا من خلال اللعبة والأكل، لكن توقع أن تعطيك الحياةُ اختبارًا خاصًّا بك في جزءٍ منها. عندئذٍ سوف تعرف أن هذا الاختبار الخصوصيّ هو وجه الحياةِ الحقيقيّ، لا اللعبة والأكل. عنه «صلى الله عليهِ وآله»: لولا ثلاث في ابنِ آدم ما طأطأ رأسه شيء: المرض، والفقر، والموت، كلهم فيه، وإنه معهن لوثَّاب!

فلولا المنغصات الصغيرة، ما صرتَ إنسانًا وتكاملتَ أدوارك في الحياة، وما خضعتَ يا إلياس حتى لله. أنتم جيل يتأفف ويتذمر ويشتكي من كلِّ شيء طيِّب، وغيركم - كما كنا - يبحث عن قطعةِ الخبز واللباس القديم، واعتبرناهَا من أطيبِ وأشهى نعمِ الله!

أروني في هذا الزَّمن طفلًا لا يشتكي ويتذمر من أجملِ الأشياء، وأحلف لكم أيمانًا غليظة أني أطوفُ به الدنيا فوقَ رأسي مشيًا على الأقدام!

مستشار أعلى هندسة بترول