آخر تحديث: 23 / 5 / 2024م - 3:40 م

صاحب الجراب

المهندس هلال حسن الوحيد *

عاشَ صاحبُ الجراب في المدينة، وتعرضَ في شبابه لأمورٍ جسيمة، مرضٌ شديد ويتمٌ ومآسٍ تاريخية كبرى. لكن هذه الأحداث والأمراض لم تمنعه من العملِ الذي اشتهر به في أخرياتِ حياته قبل أن يتوفى سنة 95 هجريَّة وعمره حوالي سبع وخمسين سنة.

يخرج في الليلةِ الظلماء، فيحمل الجرابَ على ظهره وفيه الصرر من الدَّنانير والدَّراهم، وربما حملَ على ظهره الطَّعامَ أو الحطب، حتى يأتي بابًا بابًا فيقرعه، ثم يناول من يخرج إليه، وكان يغطِّي وجهه لئلا يعرفه الفقير، ولما وُضِعَ على المغتسل نظروا إلى ظهره، وعليه مثل ركبِ الإبل من اللحمِ الميت لثقلِ ما يحمل للفقراءِ كلَّ ليلة.

كان يعول مائةَ أهل بيتٍ من فقراء المدينة، ويعجبه أن يحضرَ طعامه اليتامى والزمنيّ والمساكين، ينَاولهم بيده ويحمل الطَّعامَ لمن كان له عيال إلى عياله. إذا جنَّه الليلُ وهدأت العيون قامَ إلى منزله، فجمعَ ما يبقى من قوتِ أهله، وجعله في جراب ورمى به على عاتقه، وخرجَ إلى دورِ الفقراءِ وهو متلثم، ويفرقه عليهم.

كان ناسٌ من أهلِ المدينة يعيشون لا يدرون من أين معاشهم، فلما ماتَ فقدوا ما كانوا يُؤتون به بالليل. ومن بينهم ابن عمٍّ له، كان إذا أعطاه يأخذ المالَ ويقول: ابن عمِّي ”فلان“ لا يصلني، فلا جزاه اللهُ عنّي خيرًا. فيتحمّل الشَّتيمة ولا يعرّفه بنفسه. استمرّ الرَّجل في العطاء، واستمرّ ابن عمِّه على الشَّتيمة، حتى انتقلَ الرّجل إلى الرّفيق الأعلى، وانقطعت الصّلة، فعندها عرفَ ابنُ عمِّه المصدر ومن أين كانت تأتيه الدَّراهمُ والدَّنانير.

رآه الزهري في ليلةٍ باردة تمطر، وعلى ظهرهِ دقيق وحطب وهو يمشي فقال له: يا فلان ما هذا؟ قالَ الرَّجل: أريد سفرًا أعدّ له زادًا أحمله إلى موضعٍ حريز. فقال الزهري: فهذا غلامي يحمله عنك، فأبى، فقال الزهري: فأحملهُ عنك فإني أرفعك عن حمله، فقال: لكني لا أرفع نفسي عما ينجيني في سفري ويحسن ورودي على ما أرد عليه سألتك باللهِ لما مضيتَ في حاجتك وتركتني، فانصرف الزهري عنه، فلما كان بعد أيَّامٍ قال له: يا فلان لستُ أرى لذلك السفر الذي ذكرته أثرًا؟ قال: بلى يا زهري ليس ما ظننت، ولكنه الموت، وله كنت استعد.

أين هذا من بعض الأشخاص الذين لا يقومون بأي عملٍ خيري، إلا أذاعوه ونشروه بين النَّاس وزادوا فيه أضعافًا مضاعفة؟!

بطل هذه الحكاية هو عليّ بن الحسين بن عليّ ابن أبي طالب عليهم السَّلام، وحكايات الليلِ والأجرِبة كانت جزءًا صغيرًا من سيرته وأعماله الخيرة. حصلَ على لقب ”صاحب الجراب“ لأنه عندما كان يفرق على النَّاسِ عطاياه، كثيرًا ما كانوا قيامًا على أبوابهم ينتظرونه فإذا رأوه تباشروا به، وقالوا: جاءَ صاحبُ الجراب.

مستشار أعلى هندسة بترول