آخر تحديث: 27 / 5 / 2024م - 8:37 ص

الزهراءُ سِرُّ أبيها

ناجي وهب الفرج *

حارتْ الألبابُ وعنتْ الاقلامُ مِنْ الشروعِ في تناولِ مآثر البضعةِ الطاهرةِ فاطمة بنت محمد سلامُ الله عليها وعلى أبيها والاحاطة بها. ولكوننا في هذا المقام لا نريدُ أن يتسعَ الحديثُ عن ولادتها وزواجها وعلاقتها بأبيها صلى اللهُ عليهِ وآلهِ وزوجها أميرُ المؤمنينَ وأبنائهما سلامُ الله عليهم، وعلمها ودورها، فإن ذلك لا يمكن أن تستوعبهُ مجلداتٌ أو خطبٌ أو كتاباتٌ، لذلك سيتمُ التعرض فقط لبعضِ ما وردَ عنها من كلامٍ جامعٍ بيّنٍ، ونتوقفُ على بعضِ ما تختزلهُ كلماتها مِنْ محطاتٍ ومقتطفاتٍ نورانيةٍ بما علّمه إياها أبوها النبي الأكرم محمد صلى اللهُ عليهِ وآلهِ.

وسنعرضُ إلى بعضِ ما تناولتهُ الصديقةُ الكبرى فاطمة بنت محمد صلوات الله عليها.

ومما وردَ وذكرتهُ نفسي فداها في معرضِ حديثها عن نعمِ اللهِ التي لا تُعدُ ولا تُحصى بقولها كأنها تفرغُ عن لسانِ أبيها:

«الحمدُ للهِ على ما أنعم، ولهُ الشكرُ على ما ألهم، والثناء بما قدّم، من عمومِ نعمٍ ابتداها، وسبوغِ آلاءٍ أسداها، وتمامِ مننٍ أولاها، جمّ عن الإحصاءِ عددها، ونأى عن الجزاءِ أمدها، وتفاوتَ عن الإدراكِ أبدها، وندبهم لاستزادتها بالشكرِ لاتّصالها» [1] 

كذلكَ بينتْ سلامُ اللهِ عليها في موردٍ آخرٍ كيفيةَ المحافظةَ على استمرارِ واتصالِ هَذِهِ النعم وزيادتها بقولها:

«وندبهم لاستزادتها بالشكر لاتّصالها، واستحمد إلى الخلائق بإجزالها، وثنى بالندب إلى أمثالها» [2] 

تطرقتْ إلى أهميةِ كلمةِ لا آله إلا الله بقولها:

«وأشهد أنّ لا إله إلا الله وحدهُ لا شريكَ لهُ، كلمةٌ جعلَ الإخلاصَ تأويلها، وضمّنَ القلوبَ موصولها، وأنارَ في التفكرِ معقولها» [3] 

فقد وردَ عنها سلام الله عليها ذكرَ صفاتِ الباري جلَّ شأنهُ بعدمِ قدرةِ الأبصارِ على رؤيتهِ وعجزِ الألسنِ عن وصفهِ وعدمِ قدرةِ الاوهامِ بتفصيلِ كيفيتهِ بقولها:

«الممتنعُ من الأبصارِ رؤيتهُ، ومن الألسنِ صفتهُ، ومِنْ الأوهامِ كيفيتهُ» [4] 

كذلكَ وردَ عنها ما أشارتْ لهُ سلامُ اللهِ عليها من وصفٍ لكيفيةِ خلقُ اللهُ لخلقهِ والهدفِ من وراءِ إيجادِ هذا الخلق من قبلهِ عزَ شأنهُ:

«ابتدعَ الأشياءَ لا مِنْ شيءٍ كَانَ قبلها، وأنشأها بلا احتذاءِ أمثلةٍ امتثلها، كوّنها بقدرتهِ، وذرأها بمشيّتهِ، مِنْ غيرِ حاجةٍ منهُ إلى تكوينها، ولا فائدةٍ لهُ في تصويرها، إلا تثبيتاً لحكمتهِ، وتنبيهاً على طاعتهِ، وإظهاراً لقدرتهِ، وتعبّداً لبريته، وإعزازاً لدعوتهِ»

أشارتْ فيما وردَ عنها سلامُ اللهِ عليها إلى سببِ وضعِ اللهِ الثوابَ والعقابَ لعبادهِ:

«ثم جعلَ الثوابَ على طاعتهِ، ووضعَ العقابَ على معصيتهِ، ذيادةً لعبادهِ عن نقمتهِ، وحياشةٍ لهم إلى جنتهِ»

وفيما وردَ عنها سلامُ اللهِ عليها الحديثُ عن ما أودعهُ سبحانهُ في النبي محمد ﷺ من ملكاتٍ اختصَ بها؛ أهلتهُ للتبليغِ عن اللهِ جلَّ وعلا:

«وأشهد أنّ أبي محمداً «النبي الأمي» ﷺ عبدهُ ورسولهُ، اختارهُ وانتجبهُ قبلَ أنْ أرسلهُ، وسمّاهُ قبلَ أنْ اجتباهُ، واصطفاهُ قبلَ أنْ ابتعثهُ، إذ الخلائقُ بالغيبِ مكنونةٍ، وبسترِ الأهاويلِ مصونةٍ، وبنهايةِ العدمِ مقرونةٍ، علماً من اللهٍ تعالى بمآيلِ الأمورِ، وإحاطةٍ بحوادثِ الدهورِ، ومعرفةٍ بمواقعِ الأمورِ»

كذلكَ تطرقتْ إلى سببِ بعثةِ النبي صلي الله عليه وآلهِ من اللهِ جلَّ وعلا:

«ابتعثهُ اللهُ إتماماً لأمرهِ، وعزيمةٌ على إمضاءِ حكمهِ، وإنفاذاً لمقاديرِ حتمهِ»

ومما وردَ عنها أيضًا سلامُ اللهِ عليها في بيانِ حالِ الناسِ قبلَ البعثةِ:

«فرأى الأممَ فرقاً في أديانها، عُكّفاً على نيرانها، عابدةً لأوثانها، منكرةً للهِ مع عرفانها» [6] 

وضَّحت سلام الله عليها دورَ النبي ﷺ مع الناسِ وما ممارسهُ معهم بعد بعثتهِ:

«فأنارَ اللهُ بأبي محمد ﷺ ظُلَمَها، وكشفَ عن القلوبِ بهمها، وجلّى عن الأبصارِ غممها، وقامَ في الناسِ بالهدايةِ، فأنقذهم من الغوايةِ، وبصّرهم من العمايةِ، وهداهم إلى الدينِ القويمِ، ودعاهم إلى الطريقِ المستقيمِ» [5] 

كذلكَ وصفتْ سلامُ اللهِ عليها فيما وردَ عنها حالَ النبي بعدَ انتقالهِ إلى الرفيقِ الأعلى:

«ثم قبضهُ اللهُ إليهِ قبضُ رأفةٍ واختيارٍ، ورغبةٍ وإيثارٍ، فمحمدٍ ﷺ من تَعَبِ هذهِ الدار في راحةٍ، قد حُفّ بالملائكةِ الأبرارِ، ورضوانِ الربِ الغفّارِ، ومجاورةَ الملكِ الجبّارِ، صلّى الله على أبي، نبيّهُ وأمينهُ على الوحي، وصفيّهِ في الذكرِ وخيرتهِ من الخلقِ ورضيّهِ، والسلام عليه ورحمة الله وبركاته»

ثم بيِّنتْ سلامُ اللهِ عليها المسؤوليةَ الملقاةَ على عاتقِ المسلمينَ بعد النبي وعلاقتهم بالقرانِ وأهميتهِ:

«أنتم عبادُ اللهِ نصُبُ أمرهِ ونهيهِ، وحملةُ دينهِ ووحيهِ، وأمناءُ اللهِ على أنفسكم، وبلغاؤهُ إلى الأممِ، وزعيمُ حقٍ لهُ فيكم، وعهدٌ قدّمهُ إليكم، وبقيّةٌ استخلفها عليكم: كتابُ اللهِ الناطقُ والقرآنُ الصادق، والنورُ الساطع، والضياء اللامع، بيّنة بصائره، منكشفة سرائرهُ، منجليةُ ظواهرهُ، مغتبطةُ به أشياعهُ، قائداً إلى الرضوانِ أتباعهُ، مؤدٍّ إلى النجاةِ استماعهُ، به تنالُ حججُ اللهِ المنوّرة، وعزائمهُ المفسّرةُ، ومحارمهُ المحذّرة، وبيّناتهُ الجالية، وبراهينهُ الكافية، وفضائلهُ المندوبة، ورخصهُ الموهوبة، وشرائعهُ المكتوبة»

ومما وردَ عنها سلامُ اللهِ عليها في بيانٍ لا مثيلَ لهُ لبعضِ أسبابِ ومقاصدِ تشريعِ الأحكامِ والعباداتِ مِنْ قبلِ الباري جلَّ وعلا:

«فجعلَ اللهُ الإيمانَ تطهيراً لكم من الشركِ، والصلاةَ تنزيهاً لكم عن الكبرِ، والزكاةَ تزكية للنفسِ ونماءٍ في الرزقِ، والصيامَ تثبيتاً للإخلاصِ، والحجَ تشييداً للدينِ، والعدلَ تنسيقاً للقلوب، وطاعتنا نظاماً للملّة، وإمامتنا أماناً من الفرقة، والجهادَ عزّاً للإسلام «وذلاً لأهل الكفر والنفاق»، والصبرَ معونةً على استيجابِ الأجر، والأمرَ بالمعروفِ مصلحةٌ للعامةِ، وبرّ الوالدين وقاية من السخط، وصلة الأرحام منسأة في العمر ومنماة للعدد، والقصاص حقناً للدماء، والوفاء بالنذر تعريضاً للمغفرة، وتوفية المكاييل والموازين تغييراً للبخس، والنهي عن شرب الخمر تنزيهاً عن الرجس، واجتناب القذف حجاباً عن اللعنة، وترك السرقة إيجاباً للعفّة، وحرّم الله الشرك إخلاصاً له بالربوبية، فاتقوا الله حق تقاته، ولا تموتن إلا وأنتم مسلمون، وأطيعوا الله في ما أمركم به وما نهاكم عنه، فإنه إنما يخشى الله من عباده العلماءُ» [7] 

سلامُ اللهِ عليكِ يا سيدتي بعددِ الرملِ والحصى، وعلى أبيكِِ المصطفى وبعلكِ المرتضى وعلى أبنائكِ البررةِ ورحمةُ من اللهِ وبركاتٍ.

 

[1]  المراد بالإخلاص جعل الأعمال كلها خالصة لله تعالى، وعدم شوب الرياء والأغراض الفاسدة، وعدم التوسل بغيره تعالى في شيء من الأمور، فهذا تأويل كلمة التوحيد، لأن من أيقن بأنه الخالق والمدبر وبأنه لا شريك له في الإلهية فحق له أن لا يشرك في العبادة غيره، ولا يتوجه في شيء من الأمور إلى غيره.
[2]  يقال: ندبه للأمر وإليه فانتدب، أي دعاه فأجاب. واللام في قولها «لاتصالها» لتعليل الندب، أي رغبهم في استزادة النعمة بسبب الشكر لتكون نعمة متصلة لهم غير منقطعة عنهم. وجعل اللام الأولى للتعليل والثانية للصلة بعيد. وفي بعض النسخ: «لإفضالها» فيحتمل تعلقه بالشكر.
[3]  المراد بالإخلاص جعل الأعمال كلها خالصة لله تعالى، وعدم شوب الرياء والأغراض الفاسدة، وعدم التوسل بغيره تعالى في شيء من الأمور، فهذا تأويل كلمة التوحيد، لأن من أيقن بأنه الخالق والمدبر وبأنه لا شريك له في الإلهية فحق له أن لا يشرك في العبادة غيره، ولا يتوجه في شيء من الأمور إلى غيره.
[4]  يمكن أن يقرأ «الأبصار» بصبغة الجمع، والمصدر. والمراد بالرؤية العلم الكامل والظهور التام.
[5]  الضمير في «ظلمها» راجع إلى الأمم، والضميران التاليان له يمكن إرجاعهما إليها وإلى القلوب والأبصار. والظلم بضم الظاء وفتح اللام: جمع ظلمة، استعيرت هنا للجهالة.
البهم: جمع بهمة بالضم، وهي مشكلات الأمور.
[6]  تفصيل وبيان للفرق بذكر بعضها، يقال: عكف على الشيء كضرب ونصر أي أقبل عليه مواظباً ولازمه، فهو عاكف، ويجمع على «عكف» بضم العين وفتح الكاف المشددة كما هو الغالب في فاعل الصفة نحو شُهد وغُيّب. والنيران جمع نار وهو قياس مطرد في جمع الأجوف نحو تيجان وجيران.
[7]  المنماة: اسم مكان أو مصدر ميمي أي يصير سبباً لكثرة عدد الأولاد والعشائر، كما أن قطعها يذر الديار بلاقع من أهلها.
نائب رئيس مجلس إدارة جمعية العوامية الخيرية للخدمات الاجتماعية