آخر تحديث: 23 / 5 / 2024م - 3:40 م

حلقة برنامج «هكذا تكلموا»

مقابلة راشد المبارك مع محمد رضا نصرالله في برنامج «هكذا تكلموا» عام 2007م

جهات الإخبارية

بطاقة شخصية للضيف

• الاسم: راشد المبارك
• تاريخ ومكان الميلاد: 1935م  الأحساء
• المؤهل: دكتوراه في كيمياء الكم
• الوظيفة: أديب ومفكر

مقدمة

ما بين علم الكيمياء التي درسها في كلية العلوم بجامعة القاهرة، وبين الأدب الذي أجاده واحترفه، كانت مسيرة حياته الثرية، وُلِدَ عام 1935م في الأحساء حيث تلقى تعليمه العام بها، قبل سفره للقاهرة للحصول على درجته الجامعية، ومن ثمَّ الابتعاث للدراسة في بريطانيا حيث حصل على الدكتوراه في كيمياء الكم من جامعة جنوب ويلز بمدينة كاردف عام 1974م، وبعد عودته للمملكة عمل بالتدريس الجامعي وتولى العديد من المناصب، جامعًا بين العلم والأدب، ناشرًا العديد من الأبحاث العلمية والدراسات، ومؤلفًا للعديد من الكتب، كما عُرف كذلك باعتباره محققاً أسهم بفعالية في إنجاز الموسوعة العربية العالمية، أكبر الموسوعات العلمية في العالم العربي.

إنه الشاعر والأديب والمفكر التنويري والأستاذ الجامعي المتخصص في الكيمياء، راشد بن عبد العزيز المبارك، صاحب ندوة الأحد التي كانت ملتقى لرجال الفكر والأدب والعلم، والتي قال عنها الشاعر سليمان العيسى: ”ضمي إليك بقايا بلبل غرّد.. يا عذبة الملتقى يا ندوة الأحد“، في هذا الحوار الذي أجراه الزميل، الكاتب والإعلامي ”محمد رضا نصرالله“، ضمن برنامجه الشهير ”هكذا تكلموا“، نستشف جوانب عديدة من حياة الراحل، الذي افتقده كل من عاصره، فيما ستبقى بصماته ومؤلفاته كأثر دائم في الذاكرة السعودية.

جذور علمية

دكتور راشد المبارك؛ مسقط الرأس في الأحساء، وُلِدَت في بيئة علمية، نريد في الحقيقة أن نتلمس جذور هذا الاهتمام الفكري المؤسس بتخصص علمي في كيمياء الكم، نريد حديثًا ينطلق بنا في هذه المسيرة معك.

قُدِّرَ لي أن أولد في أسرة لها صلة بالعلم الشرعي واللغوي والأدبي، عرفت ذلك منذ 3 قرون أو نحوها، وكان في وقت الصبا  ولا أريد أن أقول متى  ليست هناك شواغل كثيرة، فكان أكثر ما يشغل النشاءة في الأسرة هو هذا الجانب، أي الاهتمام بالجانب الأدبي والثقافي والعلمي.

المراحل التي مررت بها من الأحساء ثم الرياض ثم بريطانيا، ما هي المحطة الأساسية التي شكلت مفصلًا تحوليًا في حياتك الفكرية؟

لا أستطيع أن أقول إن هناك منعطفًا كبيرًا، وإنما أحسب حياتي نوعًا من الجدول الذي سار في اتجاه لم يتغير كثيرًا، فأعتبر كل ما مررت به في نظري هو أمر عادي، شيء له نفس القيمة، فلا أقول إن هناك محطة أو وقفة أو احداث أثرت تأثيرًا جوهريًا بحيث أنها غيّرت تغييرًا جوهريًا فيما عشقته أو أحببته أو اتجهت إليه، من المؤكد أن الثقافة وتراكمها تعطي بعض الإضافات، لكن لا أحسب أنها عملت صدًا للتوجه إلى جهة أخرى.

نحو العلوم التطبيقية

ما الذي جعلك تتحول من دراسة العلوم الإسلامية، ووالدك وأخوك الأكبر كانا فقيهين بارزين، إلى دراسة العلوم التطبيقية، وتجلى ذلك في كتابك ”هذا الكون... ماذا نعرف عنه؟“، أنت المطبوع بسلاسة اللغة وحساسية الشعر، ما الذي جعلك تذهب للتخصص في هذا الموضوع العلمي الدقيق؟

مرة أخرى، قد يبدو ذلك للناس تحولًا أو منعطفًا، وأنا لا أحسبه كذلك، فقط كنت أرجو ألا أكون قد أخطأت التقدير، أنني لو استمريت في الخط الأول، المأخوذ عن أهلي وأسرتي من جانب اللغة والأدب، أو بعض الجوانب من الشريعة، فإنني لن أجدّ كثيرًا، وأنني لكي استفيد جديدًا ينبغي أن أتوجه توجهًا آخر، وقد صنعت وقد حمدت ذلك والحمدلله، ولو رجعت لما بدأت منه لما اخترت غير ما اخترته في البداية.

ندوة الأحد

هنالك من يحاول أن يؤسس تعارضًا ما بين العلم والأدب، وهذا ما هو ملموس وماثل في مناهجنا التربوية، حيث تقود الطالب في المرحلة الثانوية إلى التخصص في العلوم أو الأدب، هل أنت من الذين يدعون إلى ضرورة الجمع ما بين هذين التخصصين؟

في تاريخنا لم يكن موجودًا هذا الفصل، فكان العلم من أعلامنا يجمع بين الطب وبين الشريعة، أو بين الطب وبين الادب والفلسفة، أو بين عدة علوم والأمثلة على ذلك كثيرة جدا، فابن سينا كان فيلسوفًا وكان طبيبًا، وابن رشد كان فقيهًا وكان فيلسوفًا وطبيبًا، والرازي كان كذلك، ويمكن أن تعدّ اعلامًا كثيرين من هذا المجال، ذكرتني هنا بأن أقول إن من دوافع قيام ندوة الأحد هي أن تمد جسورًا بين هذين الاتجاهين، وكنت قد لمست ما ذكرته، أن هناك انفصالًا  إن لم تكن جفوةً  بين المختصين في العلوم الإنسانية وذوي الاختصاص في العلوم الطبيعية، وهي جفوة أراها لا يجوز أن تستمر، بل لا يجوز أن توجد، فكان من أهداف الندوة أن تقرب إلى ذوي العلوم الطبيعية مباهج العلوم الإنسانية، وأن تنقل إلى ذوي الإنسانية ما في العلوم الطبيعية من كشوف مذهلة، أوصلت الإنسان إلى ما وصل إليه.

كم عمر هذه الندوة، ندوة الأحد، التي استضافت العديد من رجال الفكر والعلم والسياسة؟، كثيرًا ما يجد زائر صالون الدكتور راشد المبارك ضيفًا بارزًا من خارج المملكة، هل تحرص على ذلك؟

أحرص عليه من ناحية أنه يسرني حضورهم، ولكنني قلّ أن أبحث عن ذلك كثيرًا، ولكنه تفضلًا منهم يأتون وقد يكون أنهم عرفوا عن الندوة قبل وصولهم، وهذا يسرني ويقول إنه كُتِبَ عن الندوة خارج المملكة أكثر مما كُتِبَ عنها في داخلها، فهم يأتون في الأغلب من البلاد العربية أو من البلاد الأخرى، ولديهم بعض المعرفة، فيأتون ساعين تفضلًا منهم في كثيرٍ من الحالات، ولكن هذا لا ينفي أن بعضهم عندما يأتي اتصل به وأدعوه، فيأتي متفضلًا، ولهذا جاءت مجموعة من المسلمين والعرب وغير المسلمين وغير العرب كذلك.

متى بدأت هذه الندوة؟

بدأت في 1402 هـ .

هل كانت امتدادًا بشكل آخر لندوة الأديب الراحل الأستاذ عبدالعزيز الرفاعي؟

رحم الله الشيخ عبدالعزيز، فقد كان صديقًا عزيزًا، ولكنني لا أقول أنه من المصادفة أنني عرفت ندوة الشيخ عبدالعزيز بعد أن بدأت ندوة الأحد، وكان سابقًا في ذلك، وندوة الشيخ عبدالعزيز «رحمه الله» كانت مقتصرةً على الشعر والأدب، فهي مختلفة في محتواها كثيرًا عن ندوة الأحد، لأن ندوة الأحد كما عرفتها أنت وعرفها كثيرون هي أشبه بالجامعة المفتوحة، تُعرض فيها كثيرٌ من وجوه ومجالات المعرفة، ففيها الطب وفيها العلوم الطبيعية وفيها السياسة والأدب والشعر والفلسفة.

هل هي ندوة عادية، أم أنها تقترب من ملامسة قضايا المجتمع؟

أولًا لكي تعرف أنها عادية أم لا؛ فهي ندوة مفتوحة الأبواب لكل الناس بلا دعوة، وهذا يمنع عنها طابع الانعزال أو الطبقية، وأما أنها تلامس قضايا المجتمع؛ فكما ذكرت أن الندوة التي تشمل الكثير من هموم الناس، ومنها السياسة والاجتماع والاقتصاد، لا اظنها ستكون معزولةً.

ندوات وصالونات ثقافية

هل كنت متأثرًا الصوالين الأدبية والثقافية التي ارتدتها حينما كنت طالبًا في القاهرة، أنا أعلم بأن لك علاقة بأبرز علماءها ومثقفيها، كالشيخ محمد أبو زهرة، وبعد ذلك الشيخ محمد الغزالي، ولا أعلم ما إذا كنت زرت ندوة العقاد الشهيرة؟

هذا كذلك نوع من الوهم بأن هناك ندوات، أنا لا أعرف بعد ندوة ما سُمِّى ب ”صالون مي زيادة“، أنه يوجد في القرن الماضي بأكمله ندوة في مصر أو في غير مصر، وحتى مجلس العقاد كان مجلسًا للعقاد ينعقد يوم الجمعة، ولم يكن ندوة بمعنى أن يحضره أناس لكي يتبادلوا الآراء وتُطرح فيها قضايا يُكلف بها شخصٌ معين، هي مجلس للعقاد يأتي الناس لكي يَسمَعوا منه في الأكثر، لا ليُسمِعُوه، وأنا لم يقدر لي أن أحضرها أبدًا.

ما هي الندوات أو الصوالين التي ارتادها الدكتور راشد المبارك في القاهرة؟

كما قلت لم تكن بمعنى ندوة أو صالون، وإنما كنت أحضر مجالس يأتيها أناس من العلماء الأفاضل، منهم رحمه الله، الشيخ محمد أبو زهرة، ومنهم الشيخ محمد الغزالي، ومنهم الأمير محمد الخطابي، والأمير سعيد الجزائري، والأمير عبدالكريم الخطابي صاحب ”ثورة الريف“ قد ادركته في شيخوخته، فكنت أنا أزوره في منزله في حدائق القبة، لكنه ما سبق أن زارني، وأما الأمير محمد الخطابي وكان ساكنًا في الدقي في حي الأوقاف، فكان يتردد عليه ومعه بعض أبنائه، وكذلك الشيخ محمد أبو زهرة، وكان منزلي قريب جدا من جامعة القاهرة، وكان يأتي ليعطي دروس ومحاضرات في كلية الحقوق، وفي أحيان كثيرة كان «رحمه الله» تكون لديه فجوات ما بين محاضرة وأخرى، فكان يأتي ويسعدني بزيارته التي تكون مفاجأة، لأنه في ذلك الوقت لم تكن جوالات، أما الشيخ محمد الغزالي فمنذ أن عرفته لم تنقطع بيننا الصحبة والزيارات، ولعله أشار إلى ذلك في مقدمة كتابه ”القراءة في دفاتر مهجورة“، فهذه مجالس وكان من بين من أزورهم أحيانا ويزورني؛ الشيخ عبدالله القصيمي، وكان تأتيه مجموعة من الناس، ولكنها مجموعة قليلة.


 

مع الشيخ عبدالله القصيمي

كيف يرى الدكتور راشد المبارك، وهو المهتم بقضايا البحث العلمي والمتفلسف في قضايا عديدة، ويقيّم إنتاج عبدالله القصيمي؟، هل هو إنتاج فلسفي أو إنتاج رجل حاول أن يتفلسف؟

أولًا، أنا أجد أنه من الأمور الطريفة أنه رغم كون الفارق أو الخلاف كبيرًا بين توجهينا، إلا أن هذا لم يمنعنا من الصحبة والألفة، والطريف انني كنت أجمعه مع الشيخ محمد الغزالي، وكانت تحدث مناقشات حادة أحيانا في منزلي بين الشيخ القصيمي والشيخ الغزالي، لا أقول إنهما كانا صديقين، ولكن لم يكن أحدهما يشعر بالنفور من الآخر، بمعنى أنني مثلًا كنت أخبر الشيخ الغزالي بأنه سوف يأتي فلان، فلم يكن يتردد هو في المجيء، ولا شك أن عبدالله القصيمي  في نظري  كانت في قدرته الفكرية شذوذ عام، بمعنى تفرد، فهذه القدرة تأخذك إلى اتجاهات قد لا يتفق معها كثيرٌ من الناس.

ولكن ألا ترى بان معظم ما كتبه فيه ضربٌ من الإنشاء المتفلسف، هناك رنين لغوي آخاذ فيما يكتبه، ولكن ماذا بعد هذه الجمل الرنانة؟

هذه يقولها كثيرٌ من الناس، عندما يأخذون على القصيمي أنه لم يضع حلولًا، لأنه لا يفرقون بين المصلح الاجتماعي وبين الناقد أو المفكر، فالمفكر لا يرى من شانه أن يسلك مسلك المصلح الاجتماعي أو المصلح السياسي، هو يرى شيئًا أمامه، لا يرى أنه يتفق مع متطلباته أو شروطه العقلية، فيحاول أن يناقشه أو ينقده أو يهجوه، وهذا بالضبط ما فعله القصيمي، أما أنه رنين، فأظن أن من يتتبع ما يقوله، صحيح أنه يكرر الفكرة الواحدة ويدور حولها كثيرًا، ولكن الغريب أنه لا يدور مكررًا نفس المعنى، هو يولّد من الفكرة الواحدة عشرات المعاني، من هذا ظنَّ البعض أن لديه تكرار، فأنا لا أسمّيه فيلسوفًا لأنه ليس له مذهبًا فلسفيًا أقامه بذاته، ولا أطروحة، وإنما هو له فكر غير عادي، ونقد شديد.

علاقة الكاتب المصري الإسلامي خالد محمد خالد بعبدالله القصيمي، هل يعتبر واحدًا من المتأثرين بأسلوبه؟

هم كانوا على علاقة، وإنما بعد قيام الثورة  بحسب ما أخبرني به الشيخ عبدالله القصيمي  تجنب محمد خالد لقاء الشيخ عبدالله القصيمي، لدرجة أنه إذا لاقاه في الطريق كان يتجنب أن يقابله، هذا بعد الثورة بسنوات، ولا سيما بعد أن كتب كتابه ”العالم ليس عقلك“ في عام 64، وكان فيه النقد الشديد لعبدالناصر، فقد صوّره صورة كاملة دون أن يكتب تحت الصورة اسم عبدالناصر، ذكر كل الملامح عندما كتب عن الاستبداد، فمحمد خالد كان يخشى مقابلته، ولكن يظهر من الاتصال السابق بالقصيمي أنه بالفعل قد تأثر به.

المتنبي في الميزان

دكتور راشد؛ لك أحيانا بعض الطلعات تكون محل استغراب ودهشة الأدباء والنقاد، ما كتبته مثلًا عن المتنبي نافيًا شاعريته، هذا الشاعر الضخم، الذي ملأ الدنيا وشغل الناس، أنت في مبحث لك هنا وقد تناولت بالنقد علامة راسخ الجذور بالتراث والثقافة العربية، هو محمود شاكر، في كتابه الشهير عن المتنبي الذي نشره في عدد كامل من مجلة المقتطف، ما هو سبب هذا الهجوم الكاسح؟، أنا تمليت حقيقةً ما كتبت، وراجعت نفسي، قد أكون أحيانا معك، حينما أنزع اسم المتنبي من النص وأقرأه قراءة كما يحاول النقاد الألسنيون، أجد أن الشغل اللغوي كثيرًا، يتفوق على المضمون الشعري، في بعض ما ذكرت.

أولًا، لا يزعجني أن هذا محل استغراب، ولو كتبت ما يتفق الناس عليه لما كان هناك جديد، قد يتحول الأمر إلى إعادة واجترار، وأنا لا أجيز لنفسي أن أضيع وقت الناس وجهدهم في أن يجتروا ويعيدوا ما عرفوه أو ألفوه، وإنما أن يُضاف شيء جديد لم يعرفوه، أو حتى يصطدم مع ما عرفوه أو ألفوه، والذي أخشاه أننا في كثير من الأحيان دُجّنا بأشياء كثيرة، حتى الذوق قد دُجِّنَ عندنا، وقبل المتنبي، الشعر الجاهلي الذي نراه قمة، والمعلقات مع أنه لو تملينا قليلًا لما وجدنا فيها الشيء الكثير، قد تصلح لزمانها ومكانها، ولكن أن تكون مثلًا يحتذى في القرن الخامس عشر أو القرن الواحد والعشرين، أرى أن هذا نوعًا من تدجين الأذواق والأفكار.

أنت هنا تضع اليد على حالة قطيعية «منسوبة إلى عقلية القطيع» موجودة لدى الرأي العام المتذوق.

نعم، وإذا عدنا إلى شعر المتنبي، فينبغي أن نلّم ولو بصورة خاطفة بماهية مقومات الشعر، في إحساسي، وأنا لا أصدر أحكامًا وإنما أتكلم عما أشعر به، أن من بين مقومات الشعر هو ما يسمى باختيار الألفاظ وديباجة الشعر والصورة الشعرية والموسيقى الداخلية للأبيات أو للنص الشعري، والنسب بين الكلمات، وأنا لم أقف على ناقد فصّل بهذا التفصيل، وإنما هذا شيء انا أحس به، لنأخذ النسب بين الكلمات؛ عندما تأخذ بيتًا لـ ”لسان الدين بن الخطيب“: ”جادَكَ الغيْثُ إذا الغيْثُ هَمى“، انزع كلمة ”جاد“ وضع مكانها أي كلمة أخرى، ستجد النسب والجرس اختلف تماما، احذف ”الغيث“ وضع مكانها المطر، ستجد أن هذه النشوة قد ذهبت، انزع كلمة ”هما“ وضع مكانها نزل أو سقط، هذا ما أسمّيه النسب بين الكلمات.

أي أن هذه الهندسة اللغوية هي الأساس في بناء أو تشكيل الصورة الفنية؟

هي جزء مما يتميز به الشاعر الموهوب، هذا هو النسب بين الكلمات، الأمر الآخر هي الموسيقى الداخلية في الشعر، كما يشير إلى مثلها القاضي الجرجاني ”هي شيء مما يحس باللسان ولا يعبر عنه الوجدان“، كالجمال في وجه حسناء، قد ترى ما يذهلك ولا تستطيع التعبير عنه، وهذا تجده قليل جدا عند المتنبي، وأذكره في بيتين من لاميته عندما يقول: ”زَوِّدينا من حُسنِ وجهكِ ما دامَ.. فحُسنُ الوجوه حالٌ تحولُ / وصِلِينا نَصِلْكِ في هذهِ الدنيا.. فإنَّ المقامَ فيها قليلُ“، هذه موسيقى داخلية عجيبة، تصنع فيك ثورة الإحساس، كيف تعزوها؟!، لن تجد إلا هذه الموسيقى الداخلية، أما الصور الشعرية عندما تأخذ من شعر البحتري كوصف لتفاحة ذات لونين، فيقول: ”تفاحة كسيت لونين خلتهما.. خدي محب ومحبوب قد التصقا / تعانقا فبدا واش فراعهما.. فاحمر ذا خجلا واصفر ذا فرقا“، هذا الوصف الرائع لو جاء رسام كي يرسمه، هذه قلما تجدها في شعر المتنبي، وأنا أكره كلمك أتحدى، ولكن أطلب من المفتونين من المتنبي شاعرًا أن يجد لي صور شعرية مثل هذه.

ولكن المتنبي معروف بأنه على جانب أو حظ كبير من الثقافة، دكاكين الوراقين التي ارتادها المتنبي في سوق الكوفة جعلته يتصل بأمهات الفكر العالمي وقتذاك، قرأ الفلسفة اليونانية، وحينما برز كشاعر لفت الأنظار؛ أنظار الكبار والصغار، الولاة والشعراء والمتشعرين، وأيضا اللغويون وعلاقته بابن جني، وحين يشكو الأمر اللغوي في شعره ويقول: اسألوا الشارح؛ أليس في هذا تعزيز قيمة لما كتبه المتنبي؟، لماذا أنت اليوم تجترح هذه القيمة؟

جميل أنك أحلتنا إلى المحور الأساس الذي دفعني إلى ما كتبت، أرجو ألا تكون ممن يقرأ من القشور، أنا لم أكتب هجاءً للمتنبي، وأنا من أكثر الناس معرفة بعبقرية المتنبي، أنا قلت إن المتنبي ليس شاعرًا، ولم أكتب أن المتنبي ليس عبقريًا، فالمتنبي في رأيي عبقري، وعبقريته لم ينازعه فيها أحد، ولكن يجب أن نفرق بيني وبين الآخرين، أن عبقرية المتنبي لا تأتي من كونه شاعرًا، وإنما تأتي من كونه عارفًا بطبيعة النفس الإنسانية، وله نظرية متميزة إلى الكون والحياة، وعبّرَ عن هذين الجانبين تعبيرًا انفرد به، هذا من جانبان هما الأساس في إعجاب الآخرين بالمتنبي، ومع الأسف لأن الشعر عندهم هو الميزان ولأن من خصائصنا صناعة الكلام، أخذنا أن هذا هي روعة الشعر، وهي ليست كذلك.

وأنا أدعو  ولا أتحدى  المعجبين به، إلى التأكد من أن المتنبي قد أخذ معانٍ ممن سواه، وما أخذ معنى من سواه إلا وسقط به، سأعطيك أمثلة قليلة؛ يقول الشاعر ”الخبز أرزي“: ”ولو استطعت جرحتُ لفظك غيرةً.. ‏أني أراه مقبِّلاً شفتيكا“، يأخذه المتنبي فيقول: ”أَغارُ مِنَ الزُجاجَةِ وَهيَ تَجري.. عَلى شَفَةِ الأَميرِ أَبي الحُسَينِ“، هل رأيت أسوأ من هذه الصورة؟!، رجل كهل يشرب الخمر ويسيل على شفته!، يقول الشاعر ”عوف بن مُحَلّم“ وقد كان شاعرًا منقطعًا إلى طاهر بن حسين، ثم بعد ذلك عبدالله بن طاهر، وكان يأخذان في بعض الوقت قارب في نهر، فيصف هذا القارب الذي كانوا يسمونه ”حراقة“، فيقول: ”عَجِبتُ لِحُرّاقَةِ اِبنِ الحُسَينِ.. وكَيفَ تَعومُ وَلا تَغرَقُ / وَبَحرانِ مِن تَحتِها واحِدٌ.. وَآخَرُ مِن فَوقِها مطبِقُ / وَأَعجَبُ مِن ذاكَ عيدانُها.. وَقَد مَسَّها كَيفَ لا تورِقُ“، فيأخذ المتنبي هذا المعنى ويقول: ”وَعَجِبتُ مِن أَرضٍ سَحابُ أَكُفِّهِم.. مِن فَوقِها وَصُخورُها لا تورِقُ“.

وانظر هنا حين يقول المتنبي في هيبة اللقاء: ”إذا بَدا حَجَبَتْ عَيْنَيكَ هَيْبَتُهُ.. وليسَ يحجبُهُ سِترٌ إذا احتَجَبَا“، وجاء بعده ابن دراج فيقول في وصف هيبة اللقاء ويقول: ”وَلَما تَوَافَوا لِلسَّلاَم وَرُفِّعَت.. عَن الشَّمْسِ في أُفْقِ الشُّرْوق سُتُور / وَقَد قَاَم مِن زُرْق الْأَسِنَّة دونَه.. صُفُوف ومِن بِيضِ السُّيْوف سُطُور/ رَأَوْا طَاعَةَ الرَّحْمن كَيْف اعتِزَازُهَا.. وَآيَات صُنْع الله كَيْف تُنِير / وَكيْف اسْتَوى بِالبِرِّ والبَحرِ مَجْلِسٌ.. وَقَام بِعِبء الرَّاسِيَاتِ سَرِير / فَسَارُوا عِجَالاُ والقُلُوب خَوَافِقٌ.. وَأَدْنُوا بِطَاء والنَّوَاظِر صُور / يَقُولون والإِجْلَال يُخْرِس أَلسُنا.. وَحَازت عُيُونٌ مِنهُمُ وصُدْور / لَقَد حَاطَ أَعْلَام الهُدى بِكَ حَائِطٌ.. وَقَدَّر فِيكَ المَكْرُمات قَدير“، وضعه في موقف كامل، فباختصار أقول إن المتنبي لم يقل شيئًا سبقه إليه غيره، إلا وهبط به، ولم يأت أحد بعده إلا وزاد عليه.

تأثر وافتنان

ولكنك وأنت الشاعر الذي قدم اليوم لنا جزأين من ”رسالة إلى ولادة“، هناك أيضا تأخذ ممن سواك، نرى لمسة نزارية من هنا، وأيضا رويا يشكريًا من هناك، وأيضا نجد أحيانا افتنانًا بشاعرٍ لم يألفه الكثير من الناس اليوم، رغم عبقريته الشعرية، وهو بدوي الجبل، ألم تأخذ من سواك؟

أنا لم أعيب على المتنبي بأنه أخذ من سواه، أنا أعيب عليه أنه إذا أخذ من سواه نزل بما سبقه إليه غيره، وإذا جاء بعده أناس زادوا عليه.

وأنت إذا أخذت ممن سواك ترتفع بما أخذت؟

لا أقول أرتفع، ولا أقول إنني لم آخذ أو لم أتأثر، وإلا سوف أكون مبالغًا في إطراء نفسي، أنا بشر قطعًا ولا بد أن أتأثر، ولكن ثق بأنني معجب إعجابًا كبيرًا جدا ببدوي الجبل، وأنه هو الشاعر الأول والأخير إلى الآن في تاريخ العربية.

أليست هذه مبالغة؟

قد تكون مبالغة، ولكن هذا ما أحسه في شعره، ويقرب منه قرينه، الشاعر سليمان العيسى.

هل بسبب العلاقة الشخصية بينك وبين أبي معن، الشاعر الكبير سليمان العيسى، تعطيه هذه الحظوة؟

إذا وجدت سببًا، فإنني لعلمك لم أر في حياتي الشاعر بدوي الجبل ولم أجتمع به أبدًا.

وانا أتذكر بأنك قد استعرت ديوانه مني.

يجوز هذا، ولكني وددت لو رأيته.

حيوية جديدة

دكتور راشد؛ في الجزء الأخير  وقد قرأته على عجل  وجدت أن هناك حبًا خافيًا قد انكشف في هذا الديوان، هل بسبب العلاقة الأخيرة التي ارتبطت بزواج، جاءت معظم قصائد هذا الديوان؟، هناك ألوان وورود، وهناك عطور وحيوية جديدة في قلب الدكتور راشد المبارك.

أحمد الله أن الأمر كذلك.

إذن، وماذا تقرأ لنا من هذا الديوان؟

رغم أنني أحفظ كثيرًا من الشعر، قلَّ أن أحفظ شيئًا من شعري.

نزار بين احتباسين

هل قراءتك الأخيرة لنزار، وقد وضعته بين احتباسين، من يهجوه مغاليًا في بغضه، ومن يغالي في حبه، جاءت هذه الدراسة ”شعر نزار بين احتباسين“، فلماذا لم تقرأه إلا بعدما أصبح سيرةً على ألسنة الناس بعد غيابه؟

هذا جانب في الواقع أنني أأسف له، وقد قد ذكرت ذلك في مقدمة الكتاب، أنني وددت لو كتبت هذا في حياته، ولكن سبب ذلك  ويعلم الله  أنني لم أقرأ شيئًا يُذكر لنزار في حياته، والسبب في ذلك أنني ما قرأته له فقط كان قليلًا ومنشورًا في الصحف، ولم أجد فيه ما يغريني، وأتذكر مما قرأته له رثائه لزوجته بلقيس، وفي الحقيقة عندما قرأت ذلك لم أجد فيه شيئًا يغريني كي أبحث عما يكتبه، قد يكون هذا حكم خاطئ على الرجل، فلما مات ووجدت هذا السيل الهائل الذي انهمر وجعل من نزار كأنه العبقرية التي يندر أن ينجلي عنها عصر أو يضيق بها أفق، فوجدت نفسي قاصرًا؛ كيف لم أقرأ لهذا الرجل؟، فتفرغت لمدة 4 شهور أو ربما 5 شهور، ومررت على أكثر دواوينه، إن لم يكن على جميعها، ونزار في نظري شيئين؛ نزار الشاعر ونزار الإنسان، ولا شك أن لنزار شعر جيد ورائع، ولكن نزار إنسان يختلف كثيرًا ومن الصعب عليّ أن أفصل بين الإنسان وإنتاجه، وعلى الأخص إذا تعلق بجانب سلوكي، فأنا لا أتدخل في شخصية الإنسان حول ما يصنعه مع ربه، فهذا شأنه، والله يحكم له أو عليه، ولكن عندما يهجو الآخرين هجاءً مرًا بما يفخر به، ويصهل صهيلًا مفتخرًا بما يهجو به الآخرين، هذا الذي يجعلني لا أحمل ذرة تقدير لهذا الرجل، والمؤسف أن كثيرًا من النساء والفتيات يرون أن نزار أكثر من ناصر المرأة وأعطاها حريتها، على الرغم من أن نزار في شعره  بحسب معرفتي بالشعر في العربية وقراءاتي القليلة في الإنجليزية  بصق على المرآة بصقًا رديئًا.

وأريد فقط أن أذكر مثالين؛ وأعتذر للسادة المشاهدين أن أقول هذا، لأنه مخالف للذوق والأخلاق، يقول نزار: ”ماذا يهمك من أكون؟.. حجرٌ.. كتابٌ.. غيمةٌ.. ماذا يهمك من أنا؟.. ما دمت أحرث كالحصان.. على السرير الواسع.. ما دمت أزرع تحت جلدك.. ألف طفلٍ رائع.. ما دمت أسكب في خليجك.. رغوتي وزوابعي“، قبّحه الله. وعندما وقعت حرب 73، وجاء ما يسمى العبور، وهو يمثل نصف انتصار، انتهى بضعفي هزيمة، يقول نزار: ”هل تذكرين عندما كنا نستمع البيان الأول؟.. هل تذكرين كيف ضممتك؟.. كيف رفعتك ثم رميتك؟.. ثم رفعتك ثم رميتك.. ثم «قال شيئًا أعوذ بالله  لا يمكنني استكمال ما قاله»“، إذن انظر كيف كان يحتفل بهذا الأمر!، كيف احتفل بهذا الحدث على طريقته وبهذا العهر!، لو صنع هذا الشعر بينه وبين نفسه، فالله كفيل به.

التطرف.. خبزٌ عالمي

دكتور راشد؛ صدر لك مؤخرًا كتاب جديد وهو ”التطرف خبز عالمي“، والتطرف ومظاهر الإرهاب أصبحت شائعة اليوم في عصرنا، مؤخرًا بعد الأحداث الأخيرة في بريطانيا نجد أن البريطانيين الذين يرون أن المسلمين البريطانيين مواطنون مسالمون ويحترمون القانون وينددون بالإرهاب قد تقلصت من 23% العام الماضي إلى 16% هذا العام، كما أن نسبة البريطانيين المقتنعين بأن المسلمين البريطانيين الذين لديهم استعداد للقيام بعمليات إرهابية ضد أهداف بريطانية لتصل إلى 18% بعدما كانت في العام الماضي 10%، ردود الفعل تلك الموجودة اليوم في المجتمعات الغربية التي فتحت الأبواب قبل سنوات للجاليات العربية والإسلامية، ذهبوا إلى هناك وعاشوا حياتهم بعدما كانوا يتعرضون للكثير من المضايقات السياسية في بلادهم، نجد هذه الصورة تنقلب عليهم، فكيف ذلك؟

للصورة الأولى ولإنصاف الآخر كتبت كتاب ”فلسفة الكراهية“، دعوةً إلى محاسبة النفس وإنصاف الآخر، ولإنصاف النفس كتبت الكتاب الثاني وهو أن التطرف خبز عالمي، الذي سبّب هذا التغير ليس فقط هو ما حدث في سبتمبر 2001، وإنما هناك شيء قبله أهم بكثير، وهو التطور الذي حدث منذ أوائل الستينات في نمو توجه ديني عند فئة من الناس، انتقل التوجه أصلًا من المملكة المتحدة في أوائل القرن الماضي، عبر فئة من البروتوستانت أسموا أنفسهم ”The Puritans“ أو المتطهرون، ثم تطور في أمريكا وازداد اتساعًا في الستينات.

ولكن أليس لهذه جذور مرتبطة بالكالڤينيّة قبل ذلك؟

البروتستانتية نشأت  كما تعرف  انشطارًا من الكاثوليكية، وهؤلاء هم فئة منها، فليس كل البروتوستانت كذلك، لكن فئة منهم، وهم المتطهرون، وهم موجودون الآن في قلب الإدارة الامريكية، ممن يسمون أنفسهم بالمحافظين الجدد، هؤلاء يؤمنون بما يرون أنها حقائق أربعة: الأولى؛ أن الإسرائيليين هم شعب الله المختار، والثانية؛ أن الله أعطاهم فلسطين، والثالثة؛ أن قيام إسرائيل هي شرط للعودة الثانية للمسيح، والرابعة؛ أن وجود إسرائيل هو شرط لتجمع الأشرار في سهل في فلسطين اسمه مجيدو لكي تأتي المعركة المعروفة عندهم باسم ”أرمجدون“. وكل حديث الناس عن سبب الانحياز الأمريكي لإسرائيل هو بسبب النفوذ الصهيوني، لكن هذا في الواقع من القشور.

هذا لدى الإدارة الجمهورية الحالية فقط.

لا، وكان لدى الغدارات التي سبقتها أيضا.

ولكن هل الإدارة الديمقراطية لديها نفس هذه المنطلقات الأيديولوجية؟

كل رؤساء الولايات المتحدة من عهد ترومان إلى الآن، كلهم من أتباع هذه الطائفة، ما عدا اثنين فقط، وهما آيزنهاور وجون كيندي، وأول ما يفعله الرئيس الأمريكي هو أنه يرتدي الطاقية الإسرائيلية ”كيباه“ ويذهب إلى الكنيست.

هل بيل كلينتون منهم؟

أشك في ذلك، لا أدري، ولكن الراجح  بحسب ما قرأته  أن كلينتون منهم، ولكن بشكل عام فإن هذا الأمر عقيدة لدى الرؤساء الأمريكيين.

ولكن ألا ترى بأن العقيدة السياسية والمصالح البراغماتية، وأن إسرائيل هي التي تحقق مصالح المطامح الإمبراطورية للولايات المتحدة الامريكية في منطقة مهمة ومكتنزة بالمقدرات الاستراتيجية، له دور في ذلك؟

أنا لا أحب أن أدخل في هذا، لأننا لن ننتهي ولن تتسع لنا الدقائق المتبقية، وإنما أضع هذا معلومة للناس، أن هناك عدد هؤلاء الآن في أمريكا يُقدّر بأكثر من 51 مليونًا، ولهم قنوات فضائية يتابعها ويشاهدها، ومن مبشريهم فلوال وسويجارت وغراهام، وهؤلاء يبثون هذا على أنها هي الحقائق الأساسية، وفي مناقشات الكونجرس الأمريكي نلاحظ أنه عندما تمت مناقشة الديون الامريكية التي تبلغ 500 تريليون، قال أحد المسؤولين من الإدارة الأمريكية: ”لماذا نقلق؟، فالمسيح سيأتي بعد 20 سنة ويتم حل المشكلة“، يقول ذلك في مناقشات رسمية، ليس في كنيسة أو غيرها.

بين نقد الذات وإنصافها

ولكن هل نبرأ أنفسنا  نحن معشر العرب والمسلمين  من بروز بعض هذه المظاهر المتطرفة والمتعصبة؟، أنت تقول في كتابك بأن الفهم العليل للنصوص وتأويلها هو وقود التطرف لدى بعض أفراد المسلمين وبعض طوائفهم.

كما قلت، فإنه من أجل محاسبة النفس، كتبت كتاب ”فلسفة الكراهية“، وكله نقد للذات، وإنصاف للآخر، ولكن هذا لا يمنع أن أذكر تحامل الآخر إذا حدث ذلك منه، وأنا لفت نظري في سورة القيامة يقول الله تعالى ”لا أُقْسِمُ بِيَوْمِ الْقِيَامَةِ * وَلا أُقْسِمُ بِالنَّفْسِ اللَّوَّامَةِ“، يوم القيامة هو حدث كوني هائل، تختلف فيه كل قوانين الكون وتتناثر وحداته وتتجاذب بعضها إلى بعض، فكيف لهذا الحدث الهائل يقرنه الله جل جلاله بشيء آخر، قد نرى نحن أنه لا علاقة بينهما، وهي النفس اللوامة، وهذا دليل على عظم هذا الشأن عند الله، والنفس اللوامة هي التي ترجع إلى محاسبة نفسها، نحن الذين فتنا بإصدار شهادات براءة للذات، نحن لا نخطئ وإنما الآخر هو الذي يخطئ، ومن أجل رد ذلك كتبت كتاب ”فلسفة الكراهية“، ولكن هذا لا يمنع أنني إذا أنصفت الآخر، فإنه من الأوجب أن أنصف نفسي وأن أدافع عن نفسي.

ولكن علاقة الأنا العربية بالآخر الغربي، اليوم، نجدها على هذا المستوى المحتقن، في الماضي كانت العلاقة بين العرب والمسلمين بالفرنجة، وحتى بالصليبيين الذين اجتاحوا بجيوشهم القدس الشريف، ومع ذلك نجد صلاح الدين يقيم علاقة إنسانية مع ريتشارد قلب الأسد، وقبل ذلك أيضا نجد أتباع الديانات الأخرى من مسيحيين ويهود يحتلون في إدارة المجتمع والدولة، نجد منهم المستشارون والوزراء وأيضا كنا نجد أحيانا أن الخليفة نفسه يشارك هؤلاء أحزانهم وأفراحهم.

وأحيانا يتزوج منهم، فجملة من أمراء الأندلس كانت أمهاتهم من النصارى، وفي الشرق كذلك، والشاعر القديم يقول ”وإني وإن كانوا نصارى أحبهم.. ويرتاح قلبي نحوهم ويتطوق“، أما الاحتقان الآن فإن السبب الأكبر فيه هو ما تصنعه إسرائيل في فلسطين، وما تمدها أمريكا به في غيّها، وما يحدث في العراق، وما حدث في لبنان، فهذا هو السبب الأكبر لتحويل كل المسلمين إلى محتقنين ومتوترين وربما متطرفين، فنحن بشر وعندما نرى الآن أن القتل أصبح حرفة ووظيفة لما يسمى بالجيش الإسرائيلي على مسمع ومرآي من الجميع، فكيف لا يثور المسلم نصرةً لدينه ولإخوته، والعجيب أننا نجد أناس يلتمسون أي تبرير لهذا الموقف الجائر من أمريكا، الذي يمهد ويؤدي إلى محو أي قرار ينتقد إسرائيل.

حول طبيعة الإنسان

ولكن يا دكتور راشد، ما يحدث في موقع آخر، في العرق اليوم، حيث تنهار أسس المجتمع والدولة، لو عدنا  وهذا سؤالنا الأخير  إلى ما ذكرته حول طبيعة أن الإنسان شرير، كما يذهب إلى ذلك توماس هوبز، وأنه لا بد من صوت الدولة لكي ترد بطشه، هل بعض مجتمعات العالم العربي والإسلامي تحتاج إلى ما تداوله بعض مفكري عصر النهضة حول المستبد العادل؟

هذه الكلمة في الأصل عجزها ينفي صدرها، فالعادل لا يكون مستبدًا، ولو استبد لما كان عادلًا، فهذه مقولة قيلت من قديم، ولا أدري كيف استصاغها كثيرٌ من الناس، وإنما هناك العادل العادل، وليس المستبد العادل.

ولكن ماذا فيما لو استدعينا ما قاله هوبز إلى الحالة العراقية؟

أتمنى لو كان هذا السؤال قد جاء في أول الحديث، لأن هذا يحتاج إلى وقت أطول، فما قاله هوبز قد قاله قبل اكتشاف القوانين الفيزيائية، وبالذات ما اكتشفه وأصلّه نيوتن في قوانينه الثلاثة للحركة، وفي قانون الجاذبية، حيث أثرّت تأثيرًا أساسيًا في المذاهب الاجتماعية والسياسية والاقتصادية، بل والدينية، ف ”هوبز“ كتب قبل عهد نيوتن، ولكن لو قرأت بعد عهد نيوتن، ستجد أن أغلب المفكرين  إن لم يكن جميعهم  رجعوا عن هذا، اقرأ ما كتبه جان جاك روسو ستجد أن أفضل الحكومات هي الأقل تدخلًا في المجتمع والتي تترك المجتمع لحالته الطبيعية، وما كتبه آدم سميث في ”ثروة الأمم“، هو أن أفضل أنواع الاقتصاد هو المتروك لحرية السوق، دون تدخل الدولة فيه، فكل هذه المفاهيم التي كانت سائدة فيما قبل قوانين نيوتن، تغيّرت تغيرًا جذريًا، وفي كتاب ”هذا الكون.. ماذا نعرف عنه؟“ هناك فصل كامل عن هذا الموضوع.


عنوان الحلقة على يوتيوب: مقابلة راشد المبارك مع محمد رضا نصرالله في برنامج «هكذا تكلموا» عام 2007م - مدة الحلقة: 55:05