آخر تحديث: 26 / 5 / 2024م - 9:00 ص

شذرات من سيرة علوي الخباز - أبو هشام - «2-2»

عبد العظيم شلي

على هامش معرض جماعة الفن التشكيلي بالقطيف، أقيمت ليلة البارحة على صالة «علوي الخباز للفنون» جلسة حوارية فنية بعنوان ”انطباعات ومرئيات“ تحدث فيها الفنانان صلاح الناصري وزمان جاسم، حول المعرض 19 المعنون ب «أساسي» وقد أدار اللقاء كاتب السطور، تناول الأول مسؤولية الفنان تجاه عمله الفني، والثاني ركز على هوية الفنان، كلاهما أبديا رؤية نقدية مستقلة، واقتربا في بعض المحاور إلى حد التمازج، مستشهدين بنماذج مميزة من الأعمال المعروضة لما تحمله من قيم جمالية وأخرى تعبيرية دون الاشارة الى عمل بعينه، مؤكدين على ضرورة البحث والتجريب على مستوى الاشتغال الفني من جميع جوانبه التكوينية والتلوينية والتأويلية، طمعا في التجدد وطرق أبواب الابتكار.

بعد الحوار شنفت أسماع الحضور معزوفتان على أوتار العود من أداء المبدع شكري عاشور تغنى فيهما عشقا وحبا في أرض القطيف بعنوان «هدانا جيت» وأكملها بمعزوفة «تعالوا» تحث على التعاون والتكاتف بين أفراد المجتمع يدا بيد.

وتوّجت الجلسة بتكريم الأب الروحي للجماعة من قبل ممثلي اللجنة الأهلية بالقطيف الأستاذ رائد أبو عزيز والأستاذ محمد الخنيزي بمعيّة رئيس الجماعة د. كميل المصلي بتسليم السيد علوي الخباز درعا تذكاريا، اعتزازا وافتخارا من الجميع بتسمية الصالة بإسمه الكريم.

ووسط الابتسامات ورنين التصفيق نثر الفنانون والفنانات المشاركين في المعرض باقات ورد على هامة وصدر السيد وسلموه بعضا من لوحات وهدايا، حينها لم يتمالك السيد حبس دموع الفرح، ولسانه يلهج بدعوات قلبية لأبنائه وبناته الأعزاء، مستذكرا رجال خير سبقوه في خدمة المجتمع.

أيها الأب الروحي أستاذ علوي الخباز، يا من تربيت على خدمة مجتمعك منذ نعومة أظفارك، بانخراطك في أعمال تطوعية بدءا من صندوق البر ومرورا بالجمعية الخيرية، وعيناك تتطلع لخدمة تلو أخرى. بعد أن خدمت 16 عاما في عالم التدريس انتدبت موظفا في مركز الخدمة الاجتماعية بالقطيف لخبرتك وحسن ادارتك، وفي نفس الوقت مساهما في لجنة التنمية الاجتماعية، تدرّجت فيها حتى أصبحت رئيسا لها.

كانت لك اليد الطولى في الكثير من المشاريع التنموية والخدمية ومن بينها إشرافك على إقامة معرض الكتاب التي كانت ترعاه وتنظمه اللجنة في مقرها بمنطقة البحر، معرض تبنيته بكل شجاعة وحماس، وتخللته فعاليات ثقافية مميزة، وأصبح محطة اشعاع ونور ولكن توقف فجأة، لإختلافات في الرأي.

كاتب السطور كتب ذات يوم في احدى القروبات الفنية ما جادت به قريحته من شجون حول معرض الكتاب القطيفي الذي كنتم تنظموه من الألف الى الياء.

تحياتي لك أبا هشام، كم كنتُ سعيدا بطلتك في معارض الكتاب في المبنى القديم لمركز الخدمة الإجتماعية، والذي تحول فيما بعد إلى مبنى اللجنة الأهلية، وبقي ردحا من الزمن ملتقى لكل متعطش للكتاب، كم أصابتنا الحسرة حين توقف! ظللنا نمني النفس بعودته يوما ما.

كم أعاتب الأيام لشغف أهل القطيف بخير جليس في الزمان، عن معارض أقيمت لبضعة أعوام وإن كانت مؤطرة تحت عناوين معينة لكنها احتفالية مرموقة جذبت جمهورا واسعا من أطياف المجتمع.

أبلغتني يا أبا هشام ذات يوم بأن ثلة من شباب القطيف افتتحوا مكتبة أهلية بجهودهم الخاصة كان يقودها باقر الشماسي وصحبه الذين حفروا في الصخر من أجل توفير الكتاب من بلدان عربية قريبة وبعيدة، رجال مغرمون بالكتاب قبل 55 عاما بهدف جلب الناس للكتاب وتحفيزهم لدخول المكتبة للنهل من عوالمها المشرعة على الفكر والعلم والثقافة، ولكن الزمان جار عليها وأغلقت لأسباب أنت وأبناء جيلك أعلم بها منا. لا نريد أن نفتح ما كان يؤرقكم، لكننا نريد أن يعود حضور معرض الكتاب القطيفي وإن كان مبسطا مثل الذي يبذله الأخ «عباس الشبركة»، وأمثاله، اذ لا يكفي أن تعرض طاولة متناثرة عليها كتب مركونة في زاوية هامشية ضمن مهرجان تراثي عام، كم نتمنى أن يعود ذاك الألق للمصفوف بين دفتين ليستقبله العطاشى من مجتمعنا المتلهفون دوما اليه، والحاوي من كل بحر وأنهر وشكل ولون.

بالأمس زرت معرض الكتاب في البحرين ومع كل خطوة أرى شبابا من البلد ومن أنحاء القطيف، وكنت أتسائل أي عطش دفعهم الى هذا المكان؟ كم أتمنى وغيري عودة معارض الكتاب سواء بتظاهرة ثقافية صغرى أو كبرى، توق مجتمعي لرائحة الكتاب وحب مغروس في أرض حضارية يهوى ناسها الكتاب أنّى وُجد.

إيهٍ يا سيد علوي الخباز ما أجملك وأجمل صور ذكرياتك، كتبت لك ذات مرة في قروب خميسية الأحبة بمناسبة عرس آخر أولادك «سيد حسين» قبل 4 سنوات تهنئة جائت عفو الخاطر: أبارك لك أبا هشام من أعماق القلب، ويعتريني فرحك ممزوج بمسرات انعكاسات المرايا، سيقف أبنك هذه الليلة عريسا يطبع قبلات على هامتك، كما تباركت شفتاك بالأمس بتقبيل هامة وجبين والديك، وعيناهم تحرسك، وأنت ممتطي الخيل المطهمة بفرح الأهل والخلان والحبايب، زفتك العلويات والسادة، وزغاريد النساء تصدح بشارع المدارس، وعلى رؤوسهن صواني شموع، «متباركة يا أم علوي بزفة الشباب». سأرى ابنك عريسا كأني أراك بالأمس، يتناهى لسمعي إيقاعات الطبل والطار، وضرب الدفوف بسواعد شبيبة نادي البدر، وهم يرددون «يا معيريس عين الله تراك.. القمر والنجوم تمشي وراك»، أبا هشام أسألك عن اسم الطباخ الذي نفذ وصيتك، وظل ذلك «القدر» لم يفتح وكان مخصصا لضيوف لم يأتوا في تلك الليلة، وأصبح في اليوم التالي وليمة لأسماك البحر؟ أيها الموج من صادر الفرق الشعبية توأم الأعراس مؤنسة الجلاس، التي أحيت ليالي أفراح الآباء والأجداد؟

يا أبا هشام ليلة عرس ابنك شارك في الزفة أحبابك وكل أعضاء جماعة الفن التشكيلي بمعية الأهل والأقارب ولفيف الأصدقاء.

البارحة أعدنا ملامح زفتك في حفل بهيج وكأنك العريس بيننا حين البسناك ”بشت“ كان مخبأ تحت الطاولة كما الدرع الهدية فاجئناك وسط تصفيق الحضور، وتبريكات زوار المعرض 19، والصالة تتغنى فخرا بإسمك «صالة علوي الخباز للفنون»، أيدٍ وكفوف نثرت الورود على محياك وسلمتك درع محبة ضافية من زرعك المثمر، تذكار من أبناؤك وبناتك، الفنانين والفنانات، ممزوجة بقبلات محبة على جبينك تسلم تسلم يا سيدنا يا سيد العطاء، دمت سالما بعمر مديد وصحة وخير وعافية.