آخر تحديث: 27 / 5 / 2024م - 8:37 ص

أحمد شلي وسهر.. نداء الروح للروح

عبد العظيم شلي

قال ولد عمي أحمد لأخته سهر:

صبرا جميلا يا سهر، سوف أُنهي عنك كل هذه الآلام ما دمت حيا، تنظر اليه سارحة والأنفاس أنين.

أمسك بكفيها وزفر، كلام صدق وعزم:

كيف أحيا وأتمتع بالحياة وكل يوم أراك على هذا الحال بين أنين وونين ليل نهار، بإذن الله سوف أُنهي مشاويرك اليومية للمستشفى، سأقطع دابر أوجاعك، لا طاب لي عيش طالما حياتك معلقة بين الحياة والموت، حياتي فداء لك.

رديت عليه بابتسام؛ يخليك ربي لي يا أحمد. سهر محمود شلي تناديها مديرة المدرسة والمعلمات لقد جاء والدك.. حان وقت ذهابك، الله يعينك يا ابنتنا فيما أنت فيه، وعساك عالقوة في ذهابك اليومي للمستشفى.

تغادر سحر الصف قبل خروج زميلاتها بحصتين على الدوام الرسمي، حفظت الاشارات ومتغيرات الشوارع على مدى عقد ونيف، مشوار يستغرق ساعة الا قليلا، تصل لنزلها الثاني، تستسلم لجهاز غسيل الكلى كأنه عبادة يومية، الفت الوجوه وتفاصيل المكان فأضحت حجرة الغسيل حميمية بيت، تفتح حقيبتها المدرسية، تسهو بالأقلام وتسرح مع الألوان وتستكمل واجباتها المدرسية برغم الألم وتقييد الحركة.

يمضي الوقت، تطبق صفحات الكتب والكراسات والدفاتر، تلاحقها ابتسامة الممرضين والممرضات، أنس وفيض محبة وحنان، تربيتة رفق ومسحة دلال، جهاز الغسيل يكف عن أداء المهمة بعد أربع ساعات من الضخ والدوران عبر خارطة الجسد.

تلملم سحر متعلقاتها، ويأخذها التثاؤب اغفائة متقطعة عبر مشوار الطريق، تستسلم أحيانا للنعاس وهي راجعة في السيارة عصرا، تصحو بتفاؤل ونظرة ?مل.

بين ذهاب ورجوع ثمة متاعب ينال من جسد البراءة، تخطو خطوات نحو الدار، فتبرق دمعة في عيني والدها محمود فتحمد الله وتهمس له بثقة وطمأنينة تأسر القلب ”أبوي أني راضية باللي أنا فيه واذا الله بيشافيني بيشافيني“، يمسح على رأسها ويتمتم ونعم بالله. تنكب سحر باستذكار دروسها بجد واجتهاد، حبا للعلم والتعلم، التركيز والانهماك مساحة نسيان لدروب الألم.

الوالدة تسهر من أجل عيون سهر بمشاعر لا حد لها وبعواطف جياشة في الغدو والرواح والصحو والنوم، الأب يشد عزمها بكلمات ايمانية وهدايا قلبية، والأخ يلاطفها ببذخ وبوعد لغد أفضل.

والداها بذلا كل ما في وسعهما وأقدما على التبرع لها، لكن المستشفى قال كلمة الفصل بعدم توافق كليتيهما مع جسدها النحيل، واحدى عماتها أقدمت على التبرع لها لكن ثمة وضعي صحي حال دون ذلك.

كلٌ قدم نفسه لانهاء ما تعانيه الوردة خوفا من حالة الذبول. النصيب المقدر يرسم أملا مستودعا في جسد أخيها الأكبر.

منذ الصغر لم تعرف سحر عذوبة الطفولة، فعذاب الكلى أضناها سهرا على سهر وهي بعمر 8 سنوات.

والى أن بلغت ثلاثة عشر ربيعا عام 2017 خضعت لعملية جراحية لاستئصال احدى كليتيها بزرع كلى من شخص مجهول، ظن أهلها بأن معاناتها إلى انتهاء وفراق، لكن بمرور ثلاث سنوات أصبحت الكلى المزروعة ضيف غير مرحب به، لم تقو عمرا، أصابها الضعف والوهن، وحسب ما قيل بأن الكلى مأخوذة من شخص كان ميتا دماغيا، وهنا الزرع لا يطول بقائه، مآله الخمول!، خضعت سهر لعملية الاستئصال، وعادت لسيناريو الأمس تطرق ابواب الغسيل من جديد.

مشاوير واستسلام للجهاز التي خبرت ايقاع تدفق محلوله في كيانها الغض، يا ترى من يحن للآخر، هي أم الجهاز؟.

لا أحد يرحب بمراجعة المركز الصحي فكيف الحال مع المستشفى، تتسلل الرهبة في فرائصنا حتى لو علاج التهاب حلق أو جرح بسيط، كل يفر من منظر المستشفيات، روائحها توتر البعض وتزكم أنوف الآخر، لله ذر الأطباء والطبيبات وكل ملائكة الرحمة، أي عمل يقومون به، أي عمل يخوضونه، أي كفاح يبذلونه، عمل أبعد من الوظيفة ذاتها وأكبر من كسب عيش.

عمل انساني عظيم عند الله والناس، هؤلاء الأخيار رفقاء الأعمار، الف تحية لكل الأطباء الساعين لتخفيف آلام البشر، ما أروع نفسياتهم التي تعلو سموا ورفعة، يعالجون دون النظر للجنس ولا للون ولا للعرق أو الدين أو الطائفة، يهبون حياتهم ويتعرضون للعدوى وصراخ المرضى، ومن خلفهم الباحثون في صناعة تطور الأجهزة الطبية التي سهلت عملهم، بفحص دقيق وساعدت على الكشف السليم، وكذا كل مخترعي الأدوية، المنكبون في المعامل والمختبرات، وكل علماء الطب الذين أفنوا الأعمار لتخفيف آلام البشر وتهدئة الأوجاع، وارجاع التعافي للمبتلين بالأمراض المستعصية، رحموا بشرا وبشر من الفتك والويلات.

ارتحالات سهر للمستشفى سرقت منها سنوات الصبا وبهجة الطفولة، تخفف من معاناتها المستمرة دعوات أمها الحنونة، تهبها صبرا وعزما، والروح الايجابية متوقدة عند الأسرة إنها رسل طيف تحمل مراجيح الأمل لعيون سحر.

الوعد لحظة وفاء من أخيها أحمد، قائلا للدكتور متى الموعد، رد عليه في اليوم المحدد سأتصل بك للتهيئة، سوف تأتي وأريدك أن تكون مهيأ معنويا ومرتاح نفسيا، قال له جاهز يا دكتور في أي وقت تشاء، وعند أي اتصال تقرر فأنا على أهبة الاستعداد.

جاء اليوم الموعود، الأخ والأخت ممددان على فرش بيضاء، لحظات غابا عن الوعي، أرواحهما تناجيان بعضهما البعض.

بوشر بفتح الجسدين باتقان ودقة وعناية فائقة، قلببهما يدقان ونبض قلب والدتهما يرسل الدعوات اثر الدعوات تقرأ الأيات وتعيد البسملات، بضعة أمتار تبعد عنهما، أدعيتها تلف فضاء المكان وترسل التهدئة أمان من خوف، عملية تكللت بالنجاح بعد مرور 6 ساعات حبست فيها الأنفاس وارتفعت فيها أصوات الرجاء، حرص ومعاينة من لدن الأطباء، ومتابعة حثيثة من فريق العمل، بعد أن تصرم التخدير، أفاق الاثنان رويدا رويدا، تلمع في وجهيهما نور الشمس ضياء الحياة، استرد كل منهما وعيه، راح كل واحد يسأل عن الآخر، دكتور طمني على أخي، دكتور كيف وضع أختي؟

تطمينات مرسلة لكليهما، والشفاه تتمتم وتلهج بحمد الله كثيرا.

شكر الوالدان الرب على مننه وعطاياه وحسن توفيقه، ترديد مستمر حتى انقطاع الأنفاس، وجوه الكادر الطبي تعلوها المسرات وتباشير الفرح تتناقل من الوالدين لكل الأهل والأقارب والخلان وجميع المعارف وحتى الأبعدون تناقلوا الفرح، الفرح حالات مستشرية تلف وجوه كل من سمع بالخبر، رسائل التهنئات تتولى صوتا وكتابة ولقاءات فضائية كانت بالقرب، فرح لا متناه يغسل القلوب بعد السنين العجاف وأنين المعاناة، قال الوالدان

شكرا لك يا أحمد أيها البطل وبارك الله فيك يا سهر يا وردة الورود.

بعد أيام خرجا من المستشفى مكللان بانجاز المهمة.

الفخر والاباء يلف أرواحهما المؤتلفة بحسن الظن بالله. أحمد قال كلمة وعد لأخته منذ زمن وترجمها بفعل بطولي لقد أعطى مثالا يحتذى لقيم البذل ومعاني التضحية. تبرع أحمد لأخته سهر هو نداء الروح للروح.

تناهي لسمعي من والدهما ابن عمي محمود شلي في وقفة فرح مطولة بسلامة الأولاد، يقص حكاية وراء حكاية، وثمة موقف علق في البال: " يابن عمي لنا ذكريات ومشاهد لا حصر لها في أروقة المستشفى، كانت زائرتان غريبتان عنا أبديتا حماسا منقطع النظير بالتبرع بكلتيهما مجانا حبا لسحر، لوقف معناتها مع غسيل الكلى، وكل واحدة لا تعرف الأخرى قدمتا نفسيهما في أوقات مختلفة وهما ليستا من المحافظة! تعجبت لما أخبرني به، وأردفت له هامسا بأن فنان تشكيلي «ح، ر» صديق لي تبرع لبنت صغيرة لا يعرفها، ولا تجمعه أي رابطة نسب بها ولا أي قرابة لا من قريب ولا بعيد، فقد قدم كليته من أجل انقاذ روح لتبقى على قيد الحياة!!

أي سحر يسكن هذه النفوس الأبية وأي مكافئة تكافأ بها! أن تتبرع بجزء من جسدك من كيانك لانقاذ نفس أخرى، فهذا قمة التضحية وأرفع معاني الفداء، تبرع لا يعادله كل ذهب الدنيا، هناك أرواح خيرة في كل مكان.

معاني الوفاء والتضحية جسّدها قولا وفعلا، الشاب ابن الواحد والعشرين ربيعا أحمد محمود شلي، على صنيع مافعل، قدم حياته لتحيا أخته الغالية، وكثر الله من أمثاله، هناك يا أحمد من سبقك وهناك أناس على درب التبرع سائرون، وتذكر بأنك بطل ليس في لعبة كرة اليد في نادي الهدى بتاروت، أنت نجم لامع في سماء التبرع، وبطل في عيوننا، نذرت زهرة شبابك وأحييت نفسا تحبها حبا جما وكنت عند الوعد منصفا، «من أحيا نفسا فكأنما أحيا الناس جميعا». طيبي عيشا ياسهر، فكنت للصبر عنوانا.

مواقف فخر:

يهدي الأب والمربي الفاضل محمود شلي بأسمه وجميع أفراد العائلة الكريمة باقات ورد لكل من:

الدكاترة في مستشفى الملك فهد التخصصي بالدمام، د. عبد الرحمن الشامسي، د. محمد مغربي، د. محمد صلاح، د. أحمد عزام، د. عمار، د. العنود الشامي، د. حنان الكنعاني، أ. شذى السندي، هؤلاء الذي أولوا عناية كبيرة واهتمام بالغ لا يوصف بابنتي، عاملوا سهر بمثابة ابنتهم فكانت وما زالت في عيونهم عزيزة وغالية، كسبت منهم الرأفة والعطف والتقدير وحب المهنة العظيمة، والمعاملة الحسنة والرعاية الفائقة واللغة الانجليزية، عاجز عن تقديم الشكر لهؤلاء الدكاترة الأفاضل.

وأيضا أقدم تحياتي لزيارة الاتحاد السعودي لكرة اليد المتمثلة في المسؤولية الاجتماعية بالاتحاد برئاسة أ. وجدان العبد الكريم، مع الأخوة المرافقين لها، علي العليوات، فاخر غاشي، حسن طلاق، حسين الأحمد ومدرب المنتخب السعودي لكرة اليد الفرنسي السيد
‏Didier Dinart «ديدييه دينارت» والمصور بشير، كانوا ضيوفا أعزاء في منزلنا وقدموا درعا تحية اعتزاز لابني أحمد، زيارتهم أثلجت صدورنا.

ولا أنسى أيضا التسهيلات من قبل ادارة التربية والتعليم في المنطقة الشرقية لاكمال ابنتي سهر تعليمها في جميع مراحلها الدراسية الى أن وصلت على أبواب الجامعة، لهم منا كل التحايا.

والشكر موصول لادارة نادي الهدى المتمثلة في شخص الأستاذ وصفي البصارة وعلي حبيب المختار وبقية الأعضاء، وكل الأصدقاء والأصحاب والمعارف والزملاء الذين أرسلوا التهنئات بتواصلهم وزياراتهم، وكل من شاركنا فرحتنا الكبرى، الله يطول في أعمارهم ويمدهم بالصحة والعافية.