آخر تحديث: 29 / 5 / 2024م - 9:01 ص

موعظة كورونا التي لم تسمع..!

الدكتور محمد المسعود

وباء كورونا وعظنا بموعظة لم يسمعها أحد، جاء هذا الوباء ليشكل في قلوبنا إيمان جديد، ونحن في عالم لا ينقصه العبث بكل شيء، بعد أن اكتشف الإنسان أن الضعف غالب، والحيلة مع الموت معدومة، وأنه استطاع أن يقوض أمورا طال ثباتها في العالم كله، وأن الموت حين يأتي تصبح كل الأجساد متشابهة لا نميز بين الفقراء والأغنياء ولا بين من يملك السلطة وبين من عاش عمره كله يصطلي بنارها وعذابها.

كانت موعظة الوباء «أن الأطباء هم الثروة الحقيقية للأوطان» وإن هناك «أمن طبي مغفل» يأتي في مرتبة تقرير حياة الجميع وإن «هذه الثروة» هي الوحيدة التي لا يمكن التفريط بها ولا تقديم غيرها عليها، فحين ألقى الأوربيون الأوراق النقدية في الشوارع بعد مرور كل موكب من سيارات نقل «جاثمين الموتى قتلا بالوباء» كانت الرسالة لدولهم أن المال مع الموت لا يعني شيئا، وإن القبور كل القبور لا خزائن فيها، وإن الناس تحتاج إلى الصحة أكثر من حاجتها للرفاهية، وإن حمايتها من المرض أهم من حمايتها من اللصوص والمجرمين وإن الدولة التي تملك المال الكثير ولا تملك الطب وعلمائه ستظل فقيرة ومهددة على الدوام وأنها في أي لحظة من الممكن أن تتحول مثالا للمدن التي حل عليها لعنة المرض، وكانت تمتلك كل شيء ثم أمست وهي بلا شيء.

المسافة بعيدة بين ما يقال وبين ما يحدث، وإن بعض الدول اليوم باتت تراجع قرارات السفر الدائم لطواقهما الطبية. وإن من الممكن جدا أن تحوز جماعات إرهابية أسلحة بيولوجية، ومن الممكن أن تتغير أنماط الحروب في العالم، ومن الممكن أن يظل هذا الوباء يطور من أبنائه وسلالته باستمرار. وإن الدول التي لا تملك مخزون كاف من «الأطباء» «والطواقم الطبية» والتجهيزات الكافية يستدفق الكثير من شعوبهم إلى مصائرهم، وإن هذا المصير كان بالوسع تلافيه لو أنفقنا قليلا من كثير ما ننفق على مجالات أخرى ليست على هذا القدر من الأهمية والخطورة والأولوية.

الطب والأطباء والخدمات الطبية بكل أنواعها هي سفينة نوح من طوفان الأوبئة وحروب الموت النظيف أو القتل بدون دم، القتل بشيء لا يرى ولا يبصر ولا يمكن لأحد أن القدرة على أن يكون أسرع منه.

هذه هي أهم مواعظ هذا الوباء، هناك عشرات الآلاف من المؤهلين لدراسة الطب، ويقبل منهم - بحسب القدرة المتواضعة - لكل جامعة، وإن عددا غير قليل من الأطباء الكبار - يتم عرض امتيازات عليهم - ويتم من خلالها توطينهم وإن دول الاتحاد الأوروبي - تتنافس - في تجنيس الأطباء بوصفهم ثمر جاهز للقطف..! وإن عملية إنتاج «مهارة طبية بمرتبة استشاري» باهظ التكاليف ويحتاج إلى زمن غير قصير.

إن فضيلة كل عمل من الأعمال هي على قدر ما ينتجه وما يؤول إليه وإن «ثروة الطب والأطباء» هي وحدها التي تجعل الحياة ممكنة وهي خط الدفاع الأول في - حروب جديدة - كورونا هو أول نذير قومه يخبرنا عمن سيأتي بعده، وهذا ما صرح به رئيس منظمة الصحة العالمية، أن ما سيأتي لن يكون أقل قتلا ولا أكثر رحمة بالجنس البشري.

فهل سنجعل لنا «هيئة للمحافظة وتنمية الثروة الوطنية الطبية» وتنمية وإنتاج الأطباء بحيث تصبح المملكة هي واحدة من مراكز الطب على مستوى العالم وتنمي مشاريع السياحة العلاجية على اختلاف أنواعها! وهل سنزيد من القدرة على الاستيعاب مئة ضعف!!.

والسؤال الذي يجيب على موعظة الوباء غير المسموعة: كم عدد الأطباء الذين يتم إنتاجهم سنويا!! وكم من يبقى منهم داخل المملكة؟؟ وهل يجد هؤلاء الوظائف والأجور المناسبة لهم؟! وهل يوجد هيئة خاصة معنية بتنميتهم والمحافظة عليهم ومعالجة الأسباب الدافعة لهم للانتقال إلى دول أخرى؟!.

بحسب ما أعلم... الجواب ليس كما يتمناه الجميع..!