آخر تحديث: 27 / 5 / 2024م - 2:07 م

نبض القلوب

جهاد هاشم الهاشم

جميعنا كبشر على هذه المعمورة نعمل ونتصرف ونُقدِم على القيام بسلوكيات منها المقبولة وأخرى غير منطقية ولا يقبلها العقل الآدمي بأي حال من الأحوال! ونحن نسير في هذين الاتجاهين بشكل «اختياري» لا شك، فالبعض اتخذ لنفسه طريقا سويا متزنا، وبناء عليه فإنه يتصرف بما يمليه عليه الرضا الذاتي المكنون بداخله، أما البعض الآخر فيقوم بأفعال لا يرتضيها هو ذاته وكذلك أفراد مجتمعه، ولكن ما يجبره على القيام بهكذا أفعال مستهجنة أو منافية للذوق العام هو العامل الرئيس والدافع المحرك لكل ما يصدر منا نحن - بني البشر - من تصرفات قد تتفق أحيانا مع مبادئنا الإنسانية السامية وتختلف أحيانا أُخر، وفي كلتا الحالتين يستوجب معرفة المسبب الحقيقي للاتجاهين آنفي الذكر وهو بطبيعة الحال «الضمير البشري». نعم فكلما كان ضمير الفرد حاضرا في وجدانه وفكره ومعتقداته؛ كلما كان أكثر التزاما بالمعاني الرفيعة ونجده يخطوا بكل ثبات تجاه تصرفات يباركها الخالق تبارك وتعالى. وعلى النقيض من ذلك الأمر عندما يغيب ذلك العامل أي الضمير لشخص ما يصبح داخله خاويًا وفارغًا من كل معاني السمو الوجداني وبالتالي يكون قد دنى من كل ما يستوجب غضب الرب جل في علاه.

بمعنى آخر أن هناك صفتان اقترنتا ببعضهما البعض من خلال معرفتنا بما يحدثه ذلك الضمير في خضم النفس الإنسانية وهما: احترام الذات ومخافة الله تعالى. والأمر واضح وجلي للأذهان أي متى ماتوافرت هاتين التصفتين في ذمة شخص بعينه سيولد عن ذلك فردا فاعلا محترما حكيما يراعي ربه في جميع مناحي حياته الدينية والدنيوية؛ وبناء عليه سيراقب ذاته وما يصدر منه من تصرفات وأفعال لكل من يحيطون به من أفراد مجتمعه بل حتى تجاه شخصه بعدم اقدامه على أي عملا مشين لا يتناسب ووضعه الاجتماعي الذي تبلور ونما من خلال تقديره لكيانه المبني على أسس متينة قوية وهي مخافة ربه واحترامه لنفسه.

وعلى النقيض من ذلك الوضع نرا من يتصرف وكأن الأمر بلا رقيب ولا حسيب من خلال تجرأه كل مايزينه له شيطانه من المعاصي والمنكرات والتجاوز. ضاربا بمعاني الخلق عرض الحائط! وهذا بطبيعة الحال واقعا طبيعيا لما لهذا العنصر من أسبابه المبررة من وجهة نظره الشخصية نتيجة فقدانه أهم دعامتين واللتان سبق التطرق إليهما: مخافة الله واحترام الإنسان لشخصه.

إذا في حال كان الضمير حيًا نابضا ويتحرك بين العقول والقلوب، فهو يقوم على حفظ الكرامات والحقوق الإنسانية، فالضمير المستيقظ هو الذي لا يتوقف نشاطه من خلال تشجيعه للفرد على القيام بعمل الخير، وتوجيه النقد الذي قد يكون لاذعا وقاسيا في حال ناقض الإنسان ما يكنه بداخله من مبادئ وقيم برتكابه خطأ ما تجاه نفسه أو تجاه محيطه ومجتمعه.

وبهذا عندما يغيب الضمير تموت المعاني الإنسانية وتسود الأنانية ويصبح الفرد «فردا» فقط في ظاهره الخارجي ولكن هو في واقع الحال متجردا من طبيعته الإنسانية والعاطفية ويصبح دوره الأساسي مغيبًا، وهو الإعمار في الأرض بل مخالفا لذلك لكونه ميالا للعنف والقسوة وما يتبع ذلك من سلوكيات جوفاء لا تمت إلى المبادئ بصلة وينتج عنها مظاهر لا يستسيغها منطق إطلاقا كسيطر ذو النفوذ على الضعفاء بكل مصنفاتها كالتجبر والتسلط وامتهان كرامة الفرد الذي كُرم من قبل الله عزه وجل قال تعالى: ﴿وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ وَحَمَلْنَاهُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَرَزَقْنَاهُمْ مِنَ الطَّيِّبَاتِ وَفَضَّلْنَاهُمْ عَلَى كَثِيرٍ مِمَّنْ خَلَقْنَا تَفْضِيلًا [سورة الإسراء الآية 77].

من الآية الشريفة يتضح الأمر بجلاء لم يخلق ذلك الآدمي للذل والهوان بل خلق كريما عزيزا ليصبح عنصرا ذا فائدة اجتماعية يحمل في طيات مسيرته أهدافا وغايات يسهم في إحياء الوطن وتعمير الشخوص ونقصد هنا العقول واحترام القيم. ويبرز من خلال مواقف تكون مرآة تعكس مبادئه نحو تقديم كل ما يمتلكه من طاقات إيجابية تسهم في رفع الفكر البشري بما يتفق ورسالة الإسلام المقدسة وبهذا يصل بنا المطاف لطريق أكثر وضوحا وفيه كل المعالم مكتملة البناء تكون قوية متينة راسخة ولن تتحقق تلك المساعي إلا بتوافر أشخاص مسلحين بضمير مغلف بمخافة الله واحترام النفس بعدها سيُبنى مجتمع مترابط متوازن خالي من الضوضاء والأحقاد وستزول كثيرا من الطاقات الغير مرغوبة ويحل محلها هدوء ونفوس يملؤها ألفة وويآم وتكتمل الصورة وتتضح عناصرها وزينة ألوانها الممزوجة بقلوب طاهرة مسالمة محبة متكاتفة متعاونة وسنصل بعدها لمانصبو إليه من عزة وشموخ.