آخر تحديث: 23 / 5 / 2024م - 8:45 م

الصراع على المنطقة

يوسف مكي * صحيفة الخليج الإماراتية

التدخل التركي في ليبيا، أصبح تهديداً مباشراً، ليس فقط للأراضي الليبية، وللقوات التي يقودها المشير خليفة حفتر، بل غدا تهديداً ماثلاً للأمن الوطني لمصر.

في ظل الوهن والعجز العربيين، باتت الدول العربية، منطقة استهداف شامل من قبل القوى الإقليمية، بعد أن كان الاستهداف فيما مضى، مقصوراً على القوى الكبرى، باستثناءات محدودة. كان الصراع المستمر مع الصهاينة، على رأس تلك الاستثناءات، هذا إذا جردنا هذا الصراع، وذلك أمر غاية في الصعوبة، من أبعاده الدولية.

فقد شهدت العقود الثلاثة المنصرمة، تحولاً دراماتيكياً، في التدخلات المباشرة، للقوتين الإقليميتين، للمشرق العربي، ونعني تحديداً تركيا وإيران. فمنذ أزمة الخليج عام 1990، وتراجع قوة الدولة العراقية، بات التدخل التركي في شمال العراق، بما يصل حد اجتياح الأراضي العراقية أمراً مألوفاً، وقد استمر هذا الواقع حتى يومنا هذا. وبعد اندلاع حركة الاحتجاج السورية، عام 2011م، توسع التدخل التركي ليشمل المناطق الواقعة في الشمال السوري. وتوسع هذا التدخل في الأيام الأخيرة، ليشمل ليبيا، نصرة لحكومة الوفاق التي يقودها الإخوان المسلمون، في الشطر الغربي من الأراضي الليبية. أما إيران، فإنها تتدخل عسكرياً، في العراق ولبنان وسوريا واليمن، إضافة إلى مشاريعها العدائية الأخرى بمنطقة الخليج العربي.

التدخل التركي في ليبيا، أصبح تهديداً مباشراً، ليس فقط للأراضي الليبية، وللقوات التي يقودها المشير خليفة حفتر، بل غدا تهديداً ماثلاً للأمن الوطني لمصر، التي تنظر بقلق مشروع، لوجود قوات تركية، على حدودها الغربية. ومن هنا يمكن فهم الخطوات التي أقدمت عليها الحكومة المصرية، بقيادة الرئيس عبد الفتاح السيسي، والتلويح باستخدام القوة، لمنع القوات التركية من التغول شرقاً، نحو مدينة سرت، قرباً من الحدود مع مصر، واعتبار هذا التغول خطاً أحمر.

يعيدنا هذا الحديث إلى محاولة معرفة الأسباب، التي تدفع بتركيا، والقوى الإقليمية الأخرى، إلى استخدام فائض قوتها العسكرية، لتوسيع عمقها العسكري، من خلال العدوان، والتنكر لأبسط مبادئ القانون الدولي. وهي أسباب تدفع بنا للاستعانة بالنظريات المتوافرة، حول أسباب الحرب، لأن أي حديث عن الحروب، لن يكون مجدياً من غير معرفة الأسباب التي تحرض عليها.

في هذا السياق، يقرر بعض علماء الاجتماع، أن الحرب تنتج عن عدم الاستقرار، في الدولة المستهدفة بالعدوان. فالأمة التي تعاني عدم الاستقرار، وتضعف فيها قوة القرار السياسي، تكون مطمعاً يشجع القوى المناوئة لها، على البدء في شن حرب ضدها، لتصور هذه القوى أن المعركة ستكون سهلة.

من جهة أخرى، رأى علماء اجتماع آخرون، أن أسباب الحروب، تكمن في ضعف النفس البشرية. وأنها نتاج الأنانية، وحب الذات، وتعمق الروح الشريرة، في نفوس صانعي الحروب. ولذلك، فإن تجنب الحروب يقتضي معالجة النفس، وتعميق حب الخير لدى البشر، ونشر التربية الأخلاقية، وتقوية جذوة نكران الذات، واعتبار تلك وسائل تقلل من اندلاع الحروب.

في هذا الصدد يكون من المجدي استخدام علم النفس، لمعرفة الدوافع والمحركات التي تجعل صانع القرار، يأمر بشن الحرب، ضد بلد ما، ويقترح، أن يحكم العالم، مجموعة من الأصحاء الذين لا يحملون عُقداً نفسية، من أجل أن يسود السلام، ربوع العالم. ونلاحظ هنا أن هذه النظرية لا تعطي وزناً للمؤسسات والبنيان الهيكلي للدولة.

ترفض نظريات أخرى، هذه الأسباب، وتركز على البنيان الهيكلي والداخلي للدول، في اتخاذ قرارات الحرب والسلام، وترى أن الدولة تلجأ إلى شن حرب على دولة أخرى، حين يكون لديها تمزق في الوحدة الوطنية، من أجل أن توحد شعبها نحو عدو مشترك. والحرب من وجهة النظر هذه، هي وسيلة لتحقيق تلاحم الشعب، وتحقيق الوحدة الوطنية.

ووفقاً لهذا التنظير، فإن الدولة تجد نفسها بين خيارين أحلاهما مرّ، أما الانتظار ورؤية البلاد تتهاوى، أو المبادرة بشن هجوم مفاجئ على إحدى الجبهات الضعيفة، القابلة للاختراق، وهنا يغدو الحل، هو في صناعة عدو مشترك، يحشد الشعب بأسره في مواجهته.

نظرية الصراع الطبقي، تحيل أسباب مجمل الحروب، للنظام الرأسمالي، وتربطها بالنزوع نحو الهيمنة، واكتساب الثروة، والاستحواذ على السوق. وإشاعة السلام، وفق هذه النظرية، هو تحطيم أنظمة الاستغلال.

ويبقى أن نشير إلى أن الحروب العادلة، هي تلك التي تدافع فيها الشعوب عن حريتها واستقلالها وتقرير مصيرها، تجاه عدو غاشم، يتربص بها. ومن هنا تصنف حروب حركات التحرر الوطني العالمية، بأنها حروب عادلة.

وتبقى هذه النظريات، بحاجة إلى مزيد من التفصيل والتحليل في أحاديث أخرى قادمة.