آخر تحديث: 26 / 7 / 2026م - 10:48 م

عندما نفقد الحب

بدر شبيب الشبيب *

سألوه: ما الذي أوصلك إلى السجن؟

أجابهم: إنه أبي. فقد كان مدمنا، لا يهتم بنا أبدا، لا يمنحنا قطرة حب. فماذا تتوقعون مني؟

سألوا شقيقه: كيف أصبحت رجلا ناجحا يشار إليه بالبنان؟

أجابهم: إنه أبي. فقد كان شخصا فاشلا، ومنه عرفت الطرق المؤدية إلى الخسران والهلاك فتجنبتها، فأصبحت من الناجحين.

تحدثت في مقال سابق عن الفراغ العاطفي الذي قد ينتج بسبب نقص جرعات الحب المقدمة للأبناء، والذي قد يؤدي أحيانا إلى الوقوع في فخاخ المتربصين المتصيدين من ذوي الخبرات الابتزازية. بالطبع هذا ليس أمرا حتميا كي يتخذه البعض ذريعة ووسيلة لتبرير انحرافهم في حال فقدانهم حبا ما لأي سبب من الأسباب، كحب الأب أو حب الأم، أو حب الزوج، أو حب الزوجة، وما إلى ذلك. بل إنه - أي فقدان الحب - يؤثر سلبا في الإنسان على نحو الاقتضاء لا العلة التامة التي لا تتخلف. والقصة التي ذكرناها في البداية خير مثال، فانحراف الأب ساهم في انحراف أحدهما دون الآخر، ولو كان علة تامة لانحرفا معا.

إن التأثير السلبي لفيروس نقص الحب على الإنسان مرتبط بقوة أو ضعف جهاز المناعة لديه. فإذا كان جهاز المناعة حصينا، فإن الفيروس لا يزيده إلا قوة وتألقا. أما إذا كان العكس، فإنه سيدمر الإنسان تدميرا، ويقضي عليه سريعا.

من هنا يأتي الحديث عن ضرورة تقوية جهاز المناعة العاطفية. وهو ما نتطرق إليه في النقاط التالية:

1 - إن فقدان مصدر من مصادر الحب لا يعني أبدا فقدان جميع المصادر. بل إن مصدر الحب كله، ومقلب القلوب، والذي يحول بين المرء وقلبه، وهو الله تعالى، يبقى دائما يمنح التعويض لأولئك الذين يتعرضون لنفحات حبه، والذين يجعلون حبه فوق كل حب. يقول تعالى لنبيه الأكرم ﷺ في سورة الضحى: ﴿أَلَمْ يَجِدْكَ يَتِيماً فَآوى‏ «6» وَوَجَدَكَ ضَالاًّ فَهَدى‏ «7» وَوَجَدَكَ عائِلاً فَأَغْنى‏ «8»

2 - لذا فإن إقامة علاقة حب وطيدة مع الله تعالى، ستكون حصنا حصينا وحرزا منيعا ضد كل التقلبات والهزات والفيروسات العاطفية. يقول تعالى: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَتَّخِذُ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَنْداداً يُحِبُّونَهُمْ كَحُبِّ اللَّهِ وَالَّذِينَ آمَنُوا أَشَدُّ حُبًّا لِلَّهِ البقرة: 165

3 - إقامة علاقة وطيدة مع الذات، وحبها حبا حقيقيا يركز على ما فيه صلاحها ونجاتها. عن الإمام الصادق ، قَالَ: وَ كَتَبَ رَجُلٌ إِلَى أَبِي ذَرٍّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: يَا أَبَا ذَرٍّ أَطْرِفْنِي بِشَيْ‏ءٍ مِنَ الْعِلْمِ. فَكَتَبَ إِلَيْهِ أَنَّ الْعِلْمَ كَثِيرٌ، وَ لَكِنْ إِنْ قَدَرْتَ أَنْ لَا تُسِي‏ءَ إِلَى مَنْ تُحِبُّهُ فَافْعَلْ. قَالَ: فَقَالَ لَهُ الرَّجُلُ وَ هَلْ رَأَيْتَ أَحَداً يُسِي‏ءُ إِلَى مَنْ يُحِبُّهُ؟ فَقَالَ لَهُ: نَعَمْ. نَفْسُكَ‏ أَحَبُ‏ الْأَنْفُسِ‏ إِلَيْكَ فَإِذَا أَنْتَ عَصَيْتَ اللَّهَ فَقَدْ أَسَأْتَ إِلَيْهَا.

4 - عدم إضاعة العمر في انتظار حب يأتي من الآخرين. إذ إن « معظمنا ينتظر ليعرف من هو من خلال انطباعات الآخرين وآرائهم، وهكذا فإننا نبني ما يسمى بالصورة الذاتية بناء على آراء الآخرين فينا». علينا أن نتعلم كيف نقوم بإشباع أنفسنا بأنفسنا من معين الحب الصافي. يقول ستيف تشاندلر مؤلف كتاب «إعادة ابتكار نفسك»: اجعل من الدعم الإيجابي والمدح مجرد توابل لحياتك، وأعد وجبة حياتك بنفسك. لا تنظر خارج نفسك لتعرف من أنت، وإنما انظر إلى الداخل، واخلق ذاتك.

5 - تصويب العين نحو الجائزة. والمقصود بذلك التركيز على ما يملكه الإنسان من نعم لا على ما فقده منها، مما يجعله أكثر توازنا وإيجابية. جاء في كتاب «مائة طريقة لتحفيز نفسك» أن المدرب « جيمي جونسون» قال لفريقه محفزا: إننا لو وضعنا شيئا بعرض مترين وطول أربعة أمتار عبر الحجرة سيستطيع الجميع أن يعبروه دون أن يسقطوا، وذلك لأن تركيزنا سيكون في أننا نعبر هذا الشيء، أما إذا وضعنا نفس هذا الشيء على ارتفاع عشرة طوابق بين مبنيين، فلن يعبره إلا القليل، وهذا لأن التركيز هنا سيكون على السقوط، وهكذا فإن التركيز هو كل شيء، والفريق الذي سيركز أكثر اليوم هو الفريق الذي سيفوز بالمباراة".

إن التركيز على الجانب الإيجابي هو ما يريده منا القرآن الكريم حين يقول: ﴿فَعَسى‏ أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئاً وَيَجْعَلَ اللَّهُ فِيهِ خَيْراً كَثِيراً النساء: 19

دمتم بحب.. جمعة مباركة.. أحبكم جميعا..