آخر تحديث: 24 / 7 / 2024م - 8:03 م

أصالة الشك في مواجهة زيف اليقين

حسين أحمد بزبوز *

يولد الناس أحراراً من أفكار الآخرين لكن أغلبهم يموت وينتهي عبداً لما وجد عليه القبيلة أو الجماعة أو الأصحاب، وقليلاً ما يهز المرأ رأسه لينفض ذهنه من تلقين المقربين المستمر له.

ورغم أننا بني البشر ولدنا على الجدل «وكان الإنسان أكثر شيء جدلاً»، لكن يكاد يكون مستحيلاً أو شبه مستحيل أن ترى إنساناً مؤدلجاً يفكر خارج الإطار أو خارج الصندوق.

بل الأسوء والأردى من ذلك أن المنفلت من قيود الأيديولوجيا بزعم التحرر غالباً ما تجده أيضاً غارقاً في وحل الجمود ومحاطاً بجدران صندوقه المغلق المعيق للتفكير والتأمل، لتغدو الحرية مزعومة في سجن أيديولوجيا مستترة.

إن التصنيم والجمود هو الداء الذي يفتك بالجميع من مؤمنين ومتقين إلى مشركين وملحدين، ومن عوام وقشريين إلى متخصصين ومثقفين... تعددت الأمراض والموت واحد.

إن الكرامة الإنسانية التي منحها الله للبشر مصدرها العقل، فلم يكن الله ليشرف هذا الإنسان على كل كائنات المعمورة لو كان عقله دون عقولهم أو مثلها.

لكن الواقع يشهد أن الإنسان غالباً ما يقع في مصيدة وفخ اليقين دون أن يحافظ على أصالة العقل التي تتميز بقدراته الخارقة على الحركة في كل الإتجاهات ومعالجة مختلف الأمور.

نأتي إلى الحياة والأصل هو الشك ولا حدود أمام العقل، لكن بسبب حداثة عقولنا في بدايات العمر سرعان ما يبنى اليقين ليطمر قاعدة الشك بل ويطمسها بالكامل تحت ركام النسيان، فتصبح القاعدة هي اليقين والشك طاريء على اليقين.

إن ذلك يشبه أن تجد قارباً تسافر عليه في عرض البحر إلى الجزر الجميلة المتناثرة في المحيط، لكن ما أن تركب القارب سرعان ما تحلق بك خيالاتك بعيداً لتظن أنك كالعصفور المحلق المنطلق فوق المحيط، فتلقي بنفسك من القارب ظاناً أنك قادر على السفر بمفردك بمجرد أن تفرد ذراعيك... فتكون النتيجة هنا أن تغرق في مياه المحيط.

إن أقرب تبسيط للعلاقة بين الشك والعقل واليقين في زماننا هذا، تكاد تكون أن نتصور تلك العلاقة بين منصة العمل ويندوز وأي برنامج من برامج المحاسبة الذي يعمل على تلك المنصة والنتائج التي نحصل عليها من ذلك البرنامج، فحين نزيل منصة العمل ويندوز من الجهاز فلن يعمل البرنامج ولن نحصل على النتائج المطلوبة... قد نحصل على شاشة سوداء لكنها لن تكون هي تلك الحقيقة التي نبحث عنها إلا إذا كنا واهمين.

وتبقى الحقيقة أن الأمثال تضرب ولا تقاس، لكن يمكننا الدفاع عن هذا المثال أمام تحدي الإشكال الذي قد يورده البعض من باب التذاكي المحمود طبعاً فهو مبني على نفس تلك القاعدة التي ندعوا إليها.

دعونا نفترض أننا جوبهنا بالسؤال: إذا حصلنا على النتيجة المحوسبة من الجهاز، كما لو أننا قد حصلنا على العقيدة واليقين نتيجة التفكير والعقل المرتكز على منصة الشك، فما الحاجة لاحقاً لمنصة عمل برنامج المحاسبة الويندوز بعد الوصول للنتيجة المطلوبة، وما الحاجة لللشك بعد الوصول لليقين والإيمان.

هنا نأتي لمسألة لا أظنها خلافية أبداً، وهي حقيقة محدودية معارفنا نحن البشر وخضوعها المستمر للنمو والتطور والتحول والتحديث، وإذا كانت هناك حقيقة مستمرة تفرض تغير وتبدل بعض المعطيات أقلاً، فالنتيجة واضحة تماماً... وهي أننا نحن البشر هنا في هذا الموقف بحاجة مستمرة للعودة لبرنامج المحاسبة الذي لن يعمل بدون منصة العمل ويندوز ليعطينا النتائج التي تعترف بهذا الواقع المتغير، كما أننا بحاجة لذلك الشك الأصيل في عقولنا المحرك لها القادر على الإعتراف بأن معارفنا ويقيننا تبعاً لها متحركة ولا يمكن أن تكون جامدةً أبداً.

إن الشك هو القاعدة والمنصة التي تسير فوقها عقولنا، وليس من الصحيح أبداً أن نتنازل عن القاعدة لتصبح نتيجة مبنية في مرحلة عمرية محدودة نعرف فيها محدوديتنا ومحدودية معارفنا ونقر فيها بتطورنا وتغيرنا المعرفي المستمر لتصبح - أي تلك النتيجة - هي المنصة التي تحد العقل.

هنا يجب أن يسقط إيمان العجائز بسقوط جمود العقل، ليصبح العقل واليقين قادرين على الحركة الفاعلة المتفاعلة بحرية تامة مستمرة.

عن أبي جعفر قال: لما خلق الله العقل استنطقه ثم قال له: أقبل فأقبل ثم قال له: أدبر فأدبر ثم قال: وعزتي وجلالي ما خلقت خلقاً هو أحب إلي منك ولا أكملتك إلا فيمن أحب، أما إني إياك آمر، وإياك أنهى وإياك أعاقب، وإياك أثيب.

كاتب سعودي «القطيف»