آخر تحديث: 22 / 6 / 2024م - 4:10 م

فلسفة التواصل

ياسين آل خليل

التواصل ضرورة حياتية فاعلة على الصعيد العملي المتشعب والمتنوع، كما يتبوأ مكانة عالية من الأهمية على المستوى الشخصي والمجتمعي. التواصل الجيد يتطلب مهارات متعددة تبدأ باللغة والثقافة لتتوسع إلى مدارك أخرى من القدرات الحسية والعاطفية.

لا يمكن لأي شخص أن يكون على درجة مرتضاة ومقبولة، لتنشأ عملية التواصل الفعالة مع الآخرين، دون أن يكون هو ذاته مرتاحًا في نفسه ومتقبلًا لها. عملية التواصل الحقيقي تتطلب أن يكون طرفي النقاش على درجة متوازنة ومتماسكة من الفهم المتبادل، دون أن تكون هناك بالضرورة حاجة للاتفاق. المهم، أن يسعى كلا الطرفين لفهم يقودهما للتواصل البنّاء، وهذه مهارة قد يفتقدها الكثير من الناس مما يجعل عملية التواصل بينهم أمرًا معقدًا غير قابل للحدوث.

تقوقع البعض داخل دائرة الراحة، يُصعّب عليهم فهم عالمهم الخارجي. وحتى يتمكنوا من كسر تلك العادة، المحببة لديهم، عليهم أن يتحرروا من كل المعوقات التي تقف حجر عثرة دون التوصل إلى معرفة ما يجري خارج نطاق حرمهم الخاص. المعوقات التي تحكم الجميع اليوم كثيرة، أهمها أجهزة التواصل الحديثة التي باتت تستهلك وقت الجميع في سفاسف حياتية لا تعود عليهم بمنفعة آنية أو حتى ببارقة أفق في الزمن القريب أو البعيد. لا بد وأن يكون هناك من وعي يقود الجميع للابتعاد، ولو جزئيًا، عن التلفاز والتلفون الذكي وغيرهما من الأجهزة، التي تمكنت من سجن محبيها داخل عالم افتراضي بعيدًا كل البعد عن عالم الحقيقة الملموسة والواقع المحسوس. من هذا المنطلق تتكون لدى الكثير القدرة على اكتشاف عالمهم الخارجي، مما يخلق مناخًا جديدًا لدى أطراف التواصل، يدفعهم بالتالي لتغيير وجهات نظرهم لتتهيأ للتقارب، فيسهل التواصل الذي ينشده الجميع.

لتتحقق عملية التواصل بيسر وسهولة، عليك أن تكون نفسك في جميع الأوقات ومع جميع الناس، لا أن تكون كالحرباء في تلونها، لتنسجم مع كل فرد وتتماشى مع كل مناسبة. تعرف على نفسك جيدًا، قبل الانخراط في أي محاولة تواصل. فإذا كنت ذلك المسئول الذي يلمع كالنجم عند تواصله مع مدرائه ويصرخ على موظفيه مباشرة بعد لقائه مع مسئوليه، فهناك الكثير من العمل الذي ينتظرك لتغيير ذاتك.

قبل أن تتفاعل مع الآخرين وبردود غير مدروسة، تعرف على ما يدور داخلك من عواطف ومشاعر. أفضل أوقات تواصلك مع الآخرين هي عندما تكون أقرب إلى مركز التفاعل العاطفي لديك. قبل اتخاذك لأي خيارات أو استجابتك إلى أي قرارات، عليك أن ترجع خطوة إلى الوراء لتُراجع فيها نفسك. لتتأكد أنك في المسار الصحيح، ضع في الإعتبار بأن موقفك تحكمه الكلمات. اجعل وعيك يسبق لسانك، وكن يقظًا لكل كلمة قبل أن تتلفظ بها.

عليك أن تكون واعيًا وحذرًا وفِي نفس الوقت متفهمًا للطرف الآخر، بإعطائه الفرصة للتعبير عن نفسه. لا أن تقفز بمرئياتك دون التأكد من صوابيتها. إلتزم بالثقة والصدق والإخلاص في التعامل لأنها من ثوابت وأساسيات التواصل الفعّال، والتي هي دون شك من بين أهم التوصيات التي حث عليها ديننا الحنيف وأمرنا بالتقيد بها لنحقق إنسانيتنا. بدون تلك القيم والمبادئ، تتراجع فلسفة التواصل قرونًًا الى الوراء لتتحول إلى نهج ظلامي لا يمكن مقاربته إلا إلى نمط التواصل عند بعض القبائل البدائية التي مازالت تقطن الأدغال وتنتهج مبادئ الحوار من لغط الغوغاء.