آخر تحديث: 27 / 5 / 2024م - 2:07 م

المشهد الثقافي ملعب للمتأدلجين

محمد العباس * صحيفة اليوم

تتردد في المقالات والمحاضرات والحوارات عبارة «المشهد الثقافي» ويُقصد به أولئك المشتغلون بالثقافة وقضاياها وواقعها وآفاقها. كما يُنظر إليه ككتلة متماسكة تتحرك بموجب خطة وطنية استراتيجية للثقافة. وهذا عنوان جاذب يختزن جُملة من المقاصد والدلالات والرؤى. لكن الحقيقية أن ما تعارفنا عليه كمشهد ثقافي لا يستجيب لذلك التصور الوطني الجامع. حيث تتشكل كل المناشط الثقافية تحت مظلة هذه المؤسسة لكنها تتخالف بمقتضى وجود الشخص المحرك لفعاليات هذه الجهة أو تلك. حيث تغلب على الأندية الأدبية - مثلا - سمات الفرد الذي يتصدى لرئاسة النادي. فيُلاحظ أن الرئيس يأخذ النادي بكل أعضائه ونشاطاته وأدواته وفعالياته إلى الجهة التي يريدها، مع استثناءات قليلة جدا لا تكاد تذكر. وهذا هو حال جمعيات الثقافة والفنون. وحتى الصفحات الثقافية باعتبارها رُكنا من أركان المشهد الثقافي.

بمقدور رئيس أي ناد أدبي أن يفرض سطوته على كل مقدرات النادي وتوجيهه كما يريد. والشواهد كثيرة وصريحة في هذا الصدد. وأي قراءة تحليلية لطبيعة النشاط الثقافي خلال عام - مثلا - ستكشف ليس عن توجهات النادي ورئيسه فحسب، بل ستفصح عن طبيعة الأسماء المدعوة للمشاركة، والموضوعات المطروحة، وعن الميول الفكرية للقائمين على النادي. الأمر الذي يسد منافذ التنوع الثقافي والتعدد الرؤيوي. ولذلك تبدو بعض الأندية الأدبية وكأنها مستعمرات لتيارات تقليدية ترى أن من حقها توطين مفاهيمها والدفاع عن رؤاها المحافظة من خلال سيل النشاطات التي تكرس بدورها منظومة من الأسماء التي تمتلك من الحماسة والرغبة في إقصاء الآخر ما يكفي لتعزيز رسالة النادي. وهو مآل يفسر خمول القضايا المطروحة للنقاش، وغياب القيمة الصراعية التي لا غنى عنها لأي مشهد ثقافي.

بعض رؤساء الأندية الأدبية يعتقدون أن النادي فرصة أو مساحة لتأكيد وجود تيار فكري ضد تيارات أخرى وتمكينه من نشر تصوراته الأيدلوجية. ولذلك يتصرفون في إعداد برنامج النادي وفعالياته بموجب هذا المنظور الاقصائي المنغلق. تماما كما يغلق مدير أي جمعية ثقافية الباب أمام أي شكل من أشكال الفنون الشعبية بدعوى أنها فنون غير طليعية. أو أن ينتصر آخر للون شعري يراه هو الأصلح لتسيد المشهد الثقافي. بمعنى أن كل مسؤول يتعامل مع الثقافة لا بمنطق الابداع ولا بفكرة المأسسة، بل وفق أهوائه وميوله الشخصية. ولذلك تظهر تلك العصبيات الثقافية بشكل فاقع كتمثيلات لقوى تعاند وجود ما يُصطلح عليه بالمشهد الثقافي. وتراهن على تهشيم القوى الأخرى أو على الأقل تهميشها. والاستفراد بالساحة. وكأن طابور المشتغلين بالثقافة مجرد غنائم لمن يصطادهم بألاعيبه الثقافية المكشوفة.

يحدث هذا نتيجة اختلال من خارج البنية الثقافية ومن داخلها. فالفريق الذي يصل إلى رئاسة النادي تكون في الأصل كقائمة منغلقة على ذاتها. وهي مجموعة لا تخفي نواياها ولا توجهاتها، بل تستفيد من جرعة الديمقراطية الخفيفة التي وهبتها حق الانتخاب ثم التحكم في مصير النادي. ولذلك يختفي التباين بين أعضاء النادي أو يتم التخلص ممن لا ينسجم مع توجهات الفريق. وهذا هو ما يحدث في جمعيات الثقافة والفنون حيث يشكل المدير فريقه بسرعة من المحيطين به، المستجيبين لرؤيته. الأمر الذي يؤدي إلى بروز ديكتاتوريات ثقافية صغيرة لا تؤمن بالثقافة كقيمة تفاعلية. ولا تقر بوجود الآخر. بل تتبارى في تأكيد العنوان الذي تريد الانحباس فيه. لدرجة أن بعض الأندية صارت بمثابة فرع من فروع جامعة على مستوى الأسماء والطروحات، كما تحول بعضها إلى امتداد عضوي لأيدلوجية ذات منزع تعقيمي لأي فكرة ثقافية يمكن أن تتمدد خارج إطار التقاليد والقيم.

جمعية الثقافة والفنون، أو النادي الأدبي يفترض أن يكون محلا مفتوحا لمختلف الآراء والتوجهات والأفكار والأسماء. ولكن الصيغة التي تظهر عليها الجمعيات والأندية الأدبية في الوقت الحاضر لا تشي بهذا الأفق المنفتح. وهذا هو ما يفسر تحول معظمها إلى فضاءات طاردة. بالنظر إلى بؤس المناشط وانخفاض أفق التوقع عند المهتمين بالثقافة. حيث تراهن بعض الإدارات على اجترار القضايا المستهلكة وتثبيت بعض رموز التيار في الواجهة من خلال كثرة الطرق، وتكثيف الحضور. وهي صيغة تكفي فقط لتشكيل مجموعة من المناصرين والمنتفعين، وليس للتقدم خطوة باتجاه تشكيل مشهد ثقافي يقوم على التنوع والتعدد والتشظي. إذ لا تتكامل تلك الاداءات المنفصلة عن بعضها البعض في صورة منطقية لمعنى المشهد الثقافي.

إن إصرار رئيس النادي الأدبي أو مدير جمعية الثقافة والفنون أو محرر الصفحة الثقافية على تحويل منصته كامتداد عضوي لمعتقداته، أو كفضاء لتنفيذ مخططاته، لا يرقى به إلى صفة المثقف. بل يجعله مجرد أداة تنفيذية صغيرة بيد قوة أكبر. وهو بهذا التعنت اللاثقافي يؤسس لقطيعة مع الآخر. وبالتالي فهو يساهم في تحجيم مديات المشهد الثقافي. فما يؤديه من انغلاق أو حماسة لفكرة أو لتيار أو لاسم لا يعني أنه يفتح مدخلا للاختلاف مع الآخرين. بل يبعث برسالة جارحة مفادها أننا لا نريدكم معنا، وأنه لا توجد لغة حوار فيما بيننا. وأن المشهد الثقافي الذي نتحدث عنه هو ملعبنا وحدنا. ولا نرغب في التباري مع أحد. لأننا الأفضل والأكمل. وكأن التاريخ يعيد انتاج نفسه ويعيد إلى الأذهان ثنائيات التجابه العبثية في الثمانينيات ولكن بوجوه وأدوات وأسماء جديدة، ما هي إلا ارتدادات أو ظلال لماضٍ لا يُراد لنا أن نتحرر منه.

ناقد وكاتب